فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 1285

استنبط العلماء الحكم بكفره من جهة أن النصوص دلت على أن القرآن كلام الله وعلمه، وكلامه وعلمه من صفاته جل شأنه، وصفاته لاتكون مخلوقة، ومن أنكر ذلك وقال إنها مخلوقة فقد كفر، حتى أصبح حكم هذه المسألة محل إجماع أهل السنة. ومما يبين لك خفاء حكم هذه المسألة مارواه الذهبي عن القاضي أبي يوسف قال] ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر، فاتفق رأينا على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر [[1] .

وإنما تناظرا هذه المدة الطويلة إذ لم يرد في المسألة نص صريح من الكتاب أو السنة ولا نقل عن الصحابة فيها. وهذا كله مما يبين أنه لايشترط في الدليل الشرعي المكفِّر أن يكون نصًا صريحًا في مسألة بعينها بل يجوز أن يكون حكمها مستنبطًا من النصوص.

وفي هذه المسألة - وهى ثبوت صفة الكفر للقول والفعل بدليل قطعي - يدخل خِلاَف الفرق: فالخوارج يكفّرون بما ليس كفرًا كالكبائر غير المكفرة، والمرجئة: لايكفّرون بشئ من العمل (القول والفعل) ولكنهم وافقوا أهل السنة في الحكم بالكفر على من أتى عملًا مكفرًا لا بنفس العمل ولكن لأن العمل الذي نص الدليل على كفر فاعله أمارة على أنه كافر بقلبه، فاتفقوا مع أهل السنة في الحكم واختلفوا معهم في تفسيره، والمرجئة الذين أعنيهم في كلامي السابق هم الأشاعرة ومرجئة الفقهاء.

أما غلاة المرجئة الذين ضلوا ضلالا بعيدًا فلا يكفرون بالدليل الشرعي قطعي الدلالة على الكفر الأكبر واشترطوا لتكفير من يفعل العمل المكفِّر أن يصرح بالتكذيب أو الجحد أو الاستحلال وهذا هو الشائع عند كثير من المعاصرين، وقد ذكرت لك أن السلف كفّروا من ذهب إلى هذا المذهب.

هذا ما يتعلق بالشرط الأول وهو أن يكون الدليل الشرعي صريح الدلالة على الكفر الأكبر.

ب - الشرط الثاني لتحقق صفة الكفر في القول والفعل: أن يكون القول أو الفعل نفسه صريح الدلالة على الكفر، أي أنه مشتمل على المناط المكفِّر الوارد في النص الشرعي المستَدَل به على التكفير. ومثاله من قال: ياسيدي البدوي أغثني أو اقض حاجتي أو وسِّع رزقي أو نجني من عدوي. فهذه أقوال مكفِّرة لأنها صريحة الدلالة على دعاء غير الله، ولأن الدليل الشرعي قد دلّ على أن من دعا غير الله فهو كافر. ومن الأفعال صريحة الدلالة على الكفر: من ألقى مصحفًا في القاذورات فهذا لايحتمل إلا أنه مستخف بالمصحف وقد ثبت بالدليل القطعي كفر المستهزيء بآيات الله، أما إذا ألقى المصحف في النار فهذا فعل ليس صريحًا في الدلالة على الكفر كما سيأتي بيانه في الأمور محتملة الدلالة.

وفي مقابل صريح الدلالة يأتي العمل محتمل الدلالة، وهو العمل (القول أو الفعل) الذي لايدل على الكفر صراحة، ولكنه يحتمل الكفر وغيره ويُسمى هذا (التكفير بالمحتملات) ومنه القول الذي ليس هو كفرًا في ذاته ولكنه يؤول إلى الكفر ويُسمى هذا (التكفير بالمآل، أو التكفير بلازم القول) .

فهذا العمل محتمل الدلالة لابد فيه من النظر في عدة أمور لتعيين دلالته وهل يُحمل على الكفر الصريح أو يُهدر، وفي هذا قال القاضي شهاب الدين القرافي] كل ماله ظاهر فهو ينصرف إلى ظاهره إلا عند قيام المعارض أو الراجح لذلك

(1) (مختصر العلوّ للعليّ الغفار) للذهبي، ط المكتب الإسلامي 1401هـ، ص 155

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت