فهرس الكتاب

الصفحة 601 من 1285

الظاهر، وكل ماليس له ظاهر فلا يترجح أحد محتملاته إلا بمرجِّح شرعي [[1] . والمرجح الشرعي لتعيين المراد من العمل محتمل الدلالة هو النظر في ثلاثة أشياء أو في بعضها، وهى: تَبَيُّن قصد الفاعل، والنظر في قرائن الحال المصاحبة للعمل، ومعرفة عُرْف المتكلم وأهل بلده.

• أما تبين قصد الفاعل أي نيّته، فيكون بسؤاله عما أراده بقوله أو بفعله، كرجل يدعو عند قبر ولا يُسمع صوته ولا مَنْ يدعو ومايدعو به، فيُسأل، فإن قال: أدعو الله أن يغفر لهذا الميت فهو مُحسن، وإن قال: أدعو الله عند هذا القبر رجاء القبول فعمله هذا بدعة غير مكفرة، وإن قال: إنه يدعو صاحب القبر بقضاء حوائجه فعمله هذا مُكفر. فتبيّن القصد يُعيِّن المراد من محتمل الدلالة، وفي هذا قال النووي فيما نقله عن الصيمري والخطيب]وإن سُئِل - أي المفتي - عمن قال كذا وكذا مما يحتمل أمورًا لايكون بعضها كفرًا، فينبغي للمفتي أن يقول: يُسأل هذا عما أراد بما قال، فإن أراد كذا فالجواب كذا، وإن أراد كذا فالجواب كذا [[2] .

وفي هذا أيضا يقول الإمام الشافعي رحمه الله]والقول قوله في الذي يحتمل غير الظاهر [[3] . وهنا تنبيه هام سيأتي شرحه في أخطاء التكفير: وهو أن القصد المطلوب تبيّنه والذي يؤثر في الحكم، هو تعيين المراد من فعل الفاعل لاتبين قصده الكفر بذلك، ففي المثال السابق إذا قال: إنه يدعو الميت بتفريج كروبه فهذا القصد هو المطلوب تبينه وهو المؤثر في الحكم، ولايلزم سؤاله هل تقصد أن تكفر بذلك؟، بل لو قال: إنه لايقصد الكفر بذلك، لم يؤثر هذا النفي في الحكم. وسيأتي بسط هذا إن شاء الله.

• وأما النظر في قرائن الحال المصاحبة للعمل، فكمن قال قولا محتملا للكفر، وأنكر إرادة الكفر، وبالتحري ثبت مصاحبته للزنادقة أو أنه متهم بالزندقة، فهذه قرائن حال ترجح إرادة الكفر ومثاله أيضا: لو أن رجلا ألقى مصحفًا في النار، فهذا يحتمل أنه مستخف بالمصحف فيكفر كمن ألقاه في القذر، ويحتمل أنه أراد التخلص من مصحف قديم عنده بالحرق كما أحرق عثمان بن عفان رضي الله عنه المصاحف الزائدة فهذه سنة خليفة راشد فلا يكفر، فإذا تبينا قصده وقال إنه أراد التخلص منه، ثم بتبين دلالة الحال تبيّن أن المصحف جديد أو أن الرجل متهم بالزندقة، فهذه الدلالات تبين أنه كاذب في قوله إنه أراد التخلص من المصحف بل هو مستخف به. قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله]دلالة الأحوال يختلف بها دلالة الأقوال في قبول دعوى مايوافقها ورد مايخالفها ويترتب عليها الأحكام بمجردها [[4] .

• وأما النظر في العرف فكما قال ابن القيم - في أحكام المفتي -]لايجوز له أن يفتي في الإقرار والأيمان والوصايا وغيرها مما يتعلق باللفظ بما اعتاده هو من فَهْم تلك الألفاظ دون أن يعرف عُرف أهلها والمتكلمين بها فيحملها على مااعتادوه وعرفوه وإن كان مخالفا لحقائقها الأصلية، فمتى لم يفعل ضَلَّ وأَضَلَّ [[5] .

(1) (الفروق) للقرافي، 2/ 195، ط دار المعرفة

(2) (المجموع) للنووي، 1/ 49

(3) (الأم) للشافعي، 7/ 297

(4) (القواعد) لابن رجب - القاعدة 151 - ص 322

(5) (اعلام الموقعين) 4/ 228

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت