فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 1285

فهذه هى المرجحات الشرعية الثلاثة التي يتعيَّن بها المراد من محتمل الدلالة، هذا ولم يعتبر الشافعي رحمه الله منها إلا تبين القصد فقط [1] . ولتقريب المسألة نذكر فتاوي بعض العلماء في الأمور محتملة الدلالة على الكفر:

قال القاضي عياض رحمه الله] وشاهدت شيخنا القاضي أبا عبدالله محمد بن عيسى أيام قضائه أُتِيَ برجل هاتَرَ رجلا، ثم قصد إلى كلبٍ فضربه برجله وقال له: قُمْ يامحمد، فأنكر الرجل أن يكون قال ذلك، وشهد عليه لفيفٌ من الناس، فأمَرَ به إلى السجن، وتقصّى عن حاله وهل يصحب من يُسْتَراب بدينه؟، فلما لم يجد مايقوي الريبة باعتقاده ضربه بالسَّوط وأطلقه [. قال الشارح إنَّ خَصم هذا الرجل كان اسمه محمدًا. وقال القاضي عياض أيضا] ونزلت أيضا مسألة استفتي فيها بعض قضاة الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد بن منصور رحمه الله في رجل تنقّصه آخر بشيء، فقال له: إنما تريد نقضي بقولك، وأنا بَشَرٌ وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي عليه الصلاة والسلام، فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه، إذ لم يقصد السَّب. وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله [[2] .

وسئل شيخ الإسلام عمن سَبَّ شريفا من أهل البيت، فقال: [لعنه الله، ولعن من شَرَّفه] ، فأجاب ابن تيمية رحمه الله] وليس هذا الكلام بمجرده من باب السَّب الذي يُقتل صاحبه، بل يستفسر عن قوله: من شَرّفه، فإن ثبت بتفسيره أو بقرائن حالية أو لفظية أنه أراد لَعْن النبي عليه الصلاة والسلام وجب قتله. وإن لم يثبت ذلك - إلى قوله - لم يكن ذلك موجبا للقتل باتفاق العلماء [[3] . هذا في الأقوال محتملة الدلالة.

ومن الأفعال المحتملة: رجل يصلي إلى القبلة وأمامه نار أو قبر، فيحتمل أنه يُصلي لله أو للقبر أو النار، فلابد من تبين قصده والنظر في قرائن الحال: هل هو معروف بالخير أو في دينه ريبة كمجوسي من عبدة النار أظهر الإسلام تقية، ونحو ذلك؟، وقد بوّب البخاري لهذه المسألة في كتاب الصلاة من صحيحه في باب [من صلى وقُدَّامه تنّور أو نار أو شيء مما يُعبد فأراد به الله] [4] .

فهذا ما يجب اتباعه لتعيين دلالة العمل المحتمل، وحكمه في ذلك حكم ألفاظ الكنايات في الطلاق والقذف والعتق وغيرها والتي لاتتميز إلا بمعرفة نية القائل والنظر في قرائن الحال وعُرف المتكلم. أما الصريح في هذا كله فلا نظر فيه إلى النية والقصد إلا من جهة التعمد كما سنبينه في أخطاء التكفير إن شاء الله.

والمرجع في تعيين المراد من محتمل الدلالة - في أحكام الدنيا - إلى اجتهاد القاضي الذي ينظر في الدعوى، كما ورد في الأمثلة المنقولة عن القاضي عياض آنفا، ويجوز للقاضي أن يُعَزِّر المتهم تعزيرًا بليغًا وإن لم يمكنه حمل المحتمل على الصريح إذا قويت التهمة. ويَرِدُ هنا الخلاف في حكم الزنديق الذي تكثر منه الأعمال محتملة الدلالة على الكفر، وكان هذا حال كثير من المنافقين على عهد النبي عليه الصلاة والسلام كما قال تعالى عنهم (وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) محمد: 30، ومن المنافقين من كان يقول الكفر الصريح ولايثبت عليه

(1) انظر (الأم) له، 7/ 297

(2) (الشفا) للقاضي عياض، ط عيسى الحلبي، 2/ 984 و 996

(3) (مجموع الفتاوى) 35/ 197 - 198، وله مثله في (مجموع الفتاوى) 34/ 135 - 136

(4) (فتح الباري) 1/ 527

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت