وقد ذكر البهنساوي في أكثر من موضع بكتابه أن المعاصي لايكفر أحد بشيء منها ولايخرج من الملة إلا بالكفر الاعتقادي [1] .
وأعود فأذكر الطالب بأن الحكم بالكفر في الدنيا مترتب على الاتيان بقولٍ مكفر أو فعل ٍ مكفر، فمن دعا غير الله فيما لايقدر عليه إلا الله أو ذبح له فقد كفر، فإن قال لم يعتقد قلبي فهو كاذب، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) الزمر: 3، وأحكام الدنيا جارية على الظاهر لا على الاعتقادات الباطنة، ومع ذلك فإن كل من كفر بسبب ظاهر فهو كافر باطنا إذا انتفت موانع التكفير في حقه، لأن من أخبر الله بكفره لسببٍ ما فلابد أن يكون كافرًا حقيقة أما نوع الكفر الذي قام بقلبه فلا تعلق لأحكام الدنيا به.
وهذا كله في بيان خطأ قول البهنساوي وماشابهه من أقوال، فنحن نذكر أخطاء بعض المؤلفين كأمثلة للرد عليها وعلى مايشبهها.
ج - وممن قيّد الكفر بالاعتقاد: جماعة (الجماعة الإسلامية بمصر) في كتابها (الرسالة الليمانية في الموالاة) لطلعت فؤاد قاسم، حيث قال في ص 13 - في حكم موالاة المسلم للكافر -] القاعدة الثانية: وهى وجوب النظر في فعل الموالاة نفسه: هل هو موالاة بالظاهر فقط مع سلامة القلب والعقد؟، أم موالاة بالظاهر والباطن معا؟، فالأولى لاتوجب كُفرًا من باب الموالاة. والثانية قد توجب كفرًا مخرجًا من الملة [. وكان المؤلف قد عرَّف الموالاة الظاهرة بأنها] هى الأقوال والأفعال التي تحمل معنى الموالاة الممنوعة لكن بالظاهر فقط مع سلامة القلب والعقد [كما عرّف موالاة الباطن بأنها] هى هذه الأفعال والأقوال ولكن مقترنة بالرضا القلبي والتصويب والمحبة [ص 11. فالمؤلف جعل الموالاة الظاهرة غير مكفرة وقيد التكفير بها بالكفر الاعتقادي أو كفر القلب أو كفر الباطن. وقد ذكرنا أن ماورد النص بكفر فاعله لايعتبر فيه قصد فاعله، وقد ورد النص بكفر من يتولى الكافرين، وذلك في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة: 51. وهذا الكتاب (الرسالة الليمانية في الموالاة) سنفرده بالنقد في آخر هذا المبحث إن شاء الله نظرًا لما انطوي عليه من أخطاء وشبهات في مسألة ٍ هى من نوازل العصر.
وبعد، فقد كانت هذه أمثلة لمن أخطأ في موضوع التكفير فحصر أسبابه في كفر الاعتقاد.
(6) ومن الأخطاء الشائعة في موضوع التكفير: اعتبار الجحد أو الاستحلال شرطًا مستقلًا للتكفير بالذنوب المكفرة.
المرجئة - وكما سبق القول - هم الذين يُخرجون العمل من حقيقة الإيمان، وقد ترتب على هذا القول تجرئة الناس على
(1) انظر كتابه (الحكم وقضية تكفير المسلم) ص 45 و 54 و 55