فهرس الكتاب

الصفحة 646 من 1285

المعاصي، حتى قال إبراهيم النخعي رحمه الله] تركت المرجئةُ الدينَ أرق من ثوب سابري [[1] .

وقد أثرت بدعة الإرجاء تأثيرًا عميقا في كتابات المتأخرين وأفكارهم كما أثرت بالمثل في سلوك كثير من المسلمين، ومن أهم أسباب تأثر كتابات المتأخرين بهذه البدعة، تولي المرجئة - من الفقهاء والأشاعرة - لمعظم مناصب الإفتاء والقضاء والتدريس والوعظ في عصور الإسلام المتأخرة، فأصبحت أقوالهم هى المعروفة المشتهرة، لدى الدارسين والمؤلفين، في حين أصبحت أقوال السلف غريبة مهجورة ولايعثر عليها الباحث إلا بشق الأنفس، وربما وجدها مختلطة بأقوال المرجئة وربما وجدها مفردة فحاول التوفيق بينها وبين أقوال المرجئة. وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله]وكثير من المتأخرين لايميزون بين مذاهب السلف وأقوال المرجئة والجهمية، لاختلاط هذا بهذا في كلام كثير منهم ممن في باطنه يرى رأي الجهمية والمرجئة في الإيمان وهو مُعَظِّم للسلف وأهل الحديث فيظن أنه يجمع بينهما، أو يجمع بين كلام أمثاله وكلام السلف [[2] .

وقد علمت مما سبق أن الإيمان عند المرجئة محله القلب وكذلك ضده ونقيضه وهو الكفر محله القلب، وقد أدى التأثر بهذا القول إلى الوقوع في عدة أخطاء في موضوع التكفير ترجع كلها إلى اشتراط كفر القلب لأجل الحكم بالكفر، ومن هذه الأخطاء:

• الخلط بين قصد العمل المكفِّر وقصد الكفر، واشتراط شرح الصدر بالكفر لأجل الحكم بالكفر، وقد سبق الرد على هذا الخطأ.

• ومنها حصر أسباب الكفر في كفر الاعتقاد وهو كفر القلب، أو تقييد الكفر بكفر القلب، وقد سبق الرد على هذا الخطأ.

• ومنها القول بأنه لاكفر إلا بالجحد أو الاستحلال ومرجعهما إلى التكذيب بالنصوص كما سبق بيانه في تعليقي على العقيدة الطحاوية، في التعقيب على قول الطحاوي]ولايخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه [.

ومع حصرهم الكفر في الجحد والاستحلال اشكل على المرجئة أن هناك أقوالا وأفعالا نص الشارع على كفر فاعلها، فانقسمت المرجئة إلى طوائف كما ذكرت من قبل:

أ - فمنهم من قال: كل من نص الشارع على كفره فهو كافر ظاهرًا وباطنًا، ليس بالعمل المكفِّر، ولكن لأن العمل

(1) رواه عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتابه (السنة) ص 84، أثر 438، ط دار الكتب العلمية 1405 هـ. والثوب السابري هو الرقيق الذي يشف عما تحته حتى يكون لابسُه بين المكتسي والعُريان، ذكره أبو منصور الثعالبي في كتابه (فقه اللغة)

(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 364

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت