حكم الله لاينتفي عنه اسم الإيمان إلا أن يكون جاحدًا [[1] ، ثم قال]إن الصحابي الجليل ابن عباس رضي الله عنهما الذي ضمه رسول الله عليه الصلاة والسلام ودعاله قائلا «اللهم علمه التأويل» والتابعي الجليل طاووس اليماني قالا: إن الآية ليست على ظاهرها وإطلاقها، وأن الكافر هو من حكم بغير ماأنزل الله جاحدًا، وأن من أقر بحكم الله وحكم في الأمر على خلافه فهو ظالم فاسق، وبذلك قال السُّدِّي وعطاء وجميع فقهاء أهل السنة [[2] .
ذكر الهضيبي في كلامه هذا قاعدة عامة وهى أن العاصي (والذي وصفه بالعامل على خلاف أمر الله) بترك واجب أو فعل محرم لايكون كافرًا إلا مااستثني بنص ٍ خاص. وهذا حق وهو في هذا أفضل ممن سبق ذكرهم فإنه بقوله (إلا مااستثني بنص .... ) فرّق بين الذنوب المكفرة وغير المكفرة، ولكنه لم يأخذ بما قال، فإن تارك الحكم بما أنزل الله كافر بنص هذه الآية (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44 فهذا إذن مما استثني من القاعدة - التي ذكرها - بنص خاص. وهو قد أكّد هذا حيث قال]فمما لاشك فيه أن شريعة الله قد حدّدت أقوالًا وأعمالًا إذا قالها المسلم أو عملها خرجت به من الإسلام وارتد بها إلى الكفر، والذي نقول به إن تلك الأقوال والأعمال قد حدّدها الله عزوجل ووضّحها الرسول عليه الصلاة والسلام فليس لنا أن نزيد فيها أو ننقص منها [[3] . وكلامه هذا هو صفة الذنوب المكفّرة التي يكفر فاعلها بمجرد فعلها، وحسب كلامه هذا فإن ترك الحكم بما أنزل الله - والترك فعل كما سبق بيانه - هو من الأعمال التي يرتد فاعلها لورود النص بأنه (فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44 فهذا الترك إذن من الذنوب المكفرة. أما احتجاجه بأن الآية ليست علي ظاهرها لإسقاط حكم الكفر فيها فاحتجاج باطل سيأتي بيانه إن شاء الله.
وأما قوله بأن الكافر هو من حكم بغير ماأنزل الله جاحدًا ومن لم يجحد لايكفر ونسبته هذا إلى جميع فقهاء أهل السنة واعتباره أن هذا إجماع فهذا قول لا أصل له، ولم ينقل أحد الإجماع على شيء في تفسير هذه الآية، فإن اختلاف الأقوال في تفسيرها هو من أشهر الأشياء عند أهل العلم، أما ماذكره الهضيبي من الجحد فقد قال ابن القيم] ومنهم من تأوّل الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو قول عكرمة، وهو تأويل مرجوح، فإن نفس جحوده كُفْر، سواء حَكَم أو لم يحكم [[4] . فهذا التفريق بين الجحد وعدمه إنما يرد في الذنوب غير المكفرة.
والكلام في هذه المسألة (مسألة الحكم بغير ماأنزل الله) محله في المبحث الثامن من هذا الباب إن شاء الله تعالى، وهناك بسط القول فيه، وأما هنا - فعلى سبيل الإيجاز - ينبغي أن يعلم طالب العلم الحقائق الآتية فيما يتعلق بتفسير هذه الآية:
(1) ص 156 - 157 في كتابه (دعاة لاقضاة) ط دار الطباعة والنشر الإسلامية بالقاهرة
(2) في ص 159. ثم في ص 158 اعتبر أن هذا الإجماع مخصصٌ للآية المرجع السابق
(3) في موضع آخرٍ من كتابه ص 35 - 36
(4) (مدارج السالكين) ج 1 ص 365، ط دار الكتب العلمية