أولا: أن الكفر في هذه الآية هو الكفر الأكبر، لأنه ورد معرفًا بالألف واللام، وكل كفر ورد بصيغة الإسم المعرفة فهو الأكبر، وكل قول بأنه كفر دون كفر فهو خطأ، وسوف يأتيك بيان هذا في المبحث الثامن إن شاء الله، ويكفيك هنا قول أبي حيان الأندلسي:] وقيل المراد كُفْر النعمة، وضُعِّفَ بأن الكفر إذا أطلق انصرف إلى الكفر في الدين [[1] .
ثانيا: أن الحكم بالكفر الأكبر في هذه الآية مترتب على تعمد ترك الحكم بما أنزل الله (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، ولم يترتب على الحكم بغير ماأنزل الله، فإذا حكم بغير ما أنزل الله فهذا مناط مكفِّر آخر - غير مجرد الترك - ودليله قوله تعالى (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) الأنعام: 121، وقوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) التوبة: 31. فترك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر والحكم بغير ماأنزل الله كفر أكبر آخر، ومثاله:
لو أن رجلًا ضُبِط في حالة سُكْرٍ بيّن في ملهى مرخص بشرب الخمر فيه، وأُحضِر هذا الرجل إلى القاضي الحاكم بالقانون الوضعي، فإنه بموجب هذا القانون لم يرتكب الرجل جريمة ولن يُعاقب بشيء، في حين أن الشرع يوجب إقامة حد الخمر عليه بجلده ثمانين جلدة. فهنا القاضي لم يحكم بما أنزل الله، أي ترك الحكم الشرعي ولم يحكم بشيء آخر. فترتب كفر القاضي هنا على سبب واحد [2] .
ولو أن رجلا ضُبط في حالة سُكْرٍ بيِّن في الشارع العام، فإن القاضي الوضعي سيحكم عليه بالحبس ستة أشهر. فهنا ترك القاضي الحكم الشرعي وهو الجلد (فلم يحكم بما أنزل الله) وحكم بغيره وهو الحبس (حَكَم بغير ماأنزل الله) ، فترتب كفر القاضي هنا على سببين كلاهما مُكفِّر، يكفي كل منهما لإخراجه من الملة بمفرده.
(1) في تفسيره (البحر المحيط) 3/ 493
(2) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله [أقول: بل الصواب أن مثل هذا هو من حكّام الجاهلية ومن قضاة الطاغوت، وقد حكم بغير ما أنزل الله، وذلك بعمله بالمادة القانونية التي تنص على أنه لا عقوبة أو لا جريمة إلا بنص قانوني، وتبرئته لشارب الخمر في الملهى المرخص ليس إلا حكمًا بهذا النص الكفري، فالحكم يكون تارة بالتجريم وتارة بالتبريء، فمن بَرّأ أو جَرّم وفقًا ومتابعة لغير أحكام الله، فقد حكّم الطاغوت وتحاكم إليه
فذلك القاضي الذي مثّل به المصنف، جامع دون شك لجريمة ترك حكم الله، وجريمة الحكم بغير ما أنزل الله، وهو لا شك كافر، وإنما يصْلح التمثيل لترك حكم الله المجرد، بالقاضي الحاكم بشرع الله، والذي هو دينه الذي يلتزمه ويدين به - كما في عبارات السلف - وإذا خالفه في الحكومة أو الواقعة علم أنه ارتكب معصية.
كأن يترك تنزيل الحد الشرعي مثلًا على قرابته أو من قَبَضَ منه رشْوَة بأن يكذب ويدلّس ويزعم أن السرقة مثلًا لم تكن من حِرْز فلا يحكم بالقطع بل بالتعزير.
فهذه الصورة يصلح أن يمثل بها على ترك الحكم بما أنزل الله الذي هو من كبائر الذنوب والمعاصي، إذ هو ترك لحكم الله، متابعة للهوى والتدليس والرشوة، ممن هو في أصل دينه وحكمه ملتزمًا بشرع الله.
وهذه هي الصورة التي اختلف فيها السّلف؛ فقال بعضهم بظاهر الآية، فكفّر فاعلها كما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه، والأكثرون على أنه كفر دون كفر، ما لم يستحل ذلك، شأنه شأن سائر الكبائر والذنوب غير المكفّرة كفرًا أكبر.] النكت اللوامع ص (13 - 14)