والخلاصة: أن مجرد تعمد ترك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر، فترك الحكم ذنب مُكَفِّر - شأنه في ذلك شأن ترك الصلاة أو سبّ الله والرسول عليه الصلاة والسلام [1] - فهذه ذنوب مكفِّرة يكفر فاعلها بمجرد فعلها، ومن اشترط الجحد أو
(1) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[قلت: لو قال: أن الإعراض عن الحكم بما أنزل الله أو التولي عن الحكم بما أنزل الله، أو ترك جنس الحكم بما أنزل الله، ذنب مكفّر شأنه شأن ترك جنس الصلاة، أو الإعراض والتولي عنها، لكان ذلك كفر بالاتفاق، لأنه كفر تولٍّ وإعراض، ولخرج بذلك من الإشكال الذي وقع فيه حيث اضطر أن يخطِّىء طائفة من العلماء المتقدمين والمتأخرين؛ كي يصحح ما ذهب إليه من تكفير الملتزم بشرع الله، الذي لا يدين إلا به ولا يحكم إلا بظل أحكامه، إذا ما زلَّ أو عصى فترك الحكم الشرعي، ولم ينزله في الواقعة لشهوة أو رشوة أو قرابة وهو يعلم أنه مقترف بذلك ذنبًا، دون أن يحكم بشرع سواه.
وهي الصورة التي تتكرر في كلام كثير من العلماء حين يمثلون بالحكم بغير ما أنزل الله كمعصية وذنب من الذنوب غير المكفرة، إذ هي وإن كانت تركًا مجردًا للحكم، وليس فيها تحاكم لغير شرع الله، لكنها لما كانت تحكيمًا للهوى والشهوة أو الرشوة، جاز أن تسمى حكمًا بغير ما أنزل الله، ولكن ليس بالمعنى الكفري الاستبدالي التشريعي، أو الذي فيه تحكيم وتحاكم إلى الطواغيت، فهذا لم تختلف مقالات السلف في كونه كفرًا أكبر، أما النوع الأول الذي يتكلم فيه المصنف هنا فمعلوم خلافهم فيه وقد اعترف بذلك الخلاف ثم رجّح قول ابن مسعود، وهذا الترجيح الذي رجّحه جعله يخطّىء بعد ذلك، كل من خالفه من المتقدمين والمتأخرين.
وفي (ص522) استشكل كلام ابن القيم الذي صرّح فيه بأنه يتكلم على الحكم بغير ما أنزل الله في الواقعة، حيث عَدَل عن الحكم فيها عصيانًا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فمع أن كلام ابن القيم صريح بأنه يعني الحاكم العاصي، الذي لم يتحاكم إلى غير شرع الله، إلا أن المصنف استشكل جَعْل ابن القيم ذلك كفرًا أصغر، فقال (ص522) : (الذي ذكره ابن القيم غير صحيح فإنه جعل الحكم بغير ما أنزل الله من الذنوب غير المكفرة كالزنا وشرب الخمر، فهذه التي لا يكفر فاعلها إلا بجحد واستحلال، وهو قد اشترط لتكفير الحاكم بغير ما أنزل الله أن يكون جاحدًا) أهـ.
وكلام ابن القيم هذا إنما يشكل على مذهب المصنف حيث جعل ترك الحكم بالصورة المتقدمة التي يذكرها السلف على أنها كفر أصغر جعلها كفرًا أكبر كالتحاكم إلى القوانين.
أما من يفرّق بين هذا وذاك، فلن يستشكل كلام ابن القيم ولا غيره، وسيحمل كلامه هذا على الصورة غير المكفرة، وبالتالي فلن يستنكر اشتراطه للجحد في التكفير فيها.
وهذه الصورة غير المكفّرة ضابطها كما عرفت ما ورد في عبارات السلف من أن يكون المرء ملتزمًا بشرع الله وأن ذلك دينه الذي يدين به ومعنى هذا أنه لا يتحاكم عند تركه الحكم في الواقعة إلى غير شرع الله وأن أصل حكمه وعمومه هو حكم الله، وأنه إذا خالف عرف أنه قد ارتكب ذنبًا، ومعنى ذلك أنه لم يترك جنس حكم الله ولا تولى عنه أو أعرض بالكلية، ولذلك اقترحنا في أوّل هذا التنبيه أن يقول:"فترك جنس الحكم بما أنزل الله أو الإعراض والتولي عنه ذنب مكفّر شأنه شأن ترك جنس الصلاة أو الإعراض والتولي عنها"ليخرج بذلك القاضي العاصي أو الفاسق أو الظالم الذي يلتزم حكم الله في قضائه ولم يتركه أو ينسلخ عنه وإنما يترك تنزيل حكم الله في الواقعة كمعصية أحيانًا دون أن يُحكّم شرعًا سواه، وهي الصورة التي يمثل بها السلف، وفيها ورد الخلاف، شأن ذلك شأن تارك الصلاة، فمعلوم خلافهم فيمن ترك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها والأصل أنه من المصلين، وتفريق كثير منهم بين هذا وبين من ترك جنس الصلاة بالكلية.
وننبه هنا حتى لا يُساء الفهم، أننا نعني بترك جنس الحكم، ليس ترك عموم أحكامه وحدوده، فالطواغيت اليوم كما يرقّع لهم من يرقّع، يزعمون أنه لا تخلو قوانينهم من أشياء توافق حكم الله - أو مأخوذة منه بزعمهم - وهذا مع أنه لا اعتبار له لأنهم لم يأخذوا بذلك استسلامًا لحكم الله وانقيادًا لأمره، بل لأنه جاء موافقًا لأهوائهم ولأن الدستور والقانون قد نص عليه فهم يتابعون بذلك أمر الدستور لا أمر الله وإلا لحكموا بكافة شرع الله إن لم يكن الأمر كذلك، ثم إن تلك الأحكام التي يزعمون أنها من الشرع؛ محكومة أولًا وآخرًا بدساتيرهم الوضعية التي تهيمن على كافة القوانين بحيث تُفهم وتُفسّر جميع القوانين بناء على مبادئه الكفرية ووفقًا لخطوطه العلمانية.
أقول: مع هذا فليس مرادنا بترك جنس الحكم هنا، ترك عموم الحدود والأحكام الشرعية، بل من ترك جنس حكم أو حد واحد منها فهو كافر كفر إعراض وتولٍّ أو إباءٍ وامتناع عن ذلك الحد، شأنه شأن من ترك جنس صلاة واحدة كصلاة العصر مثلًا، فلا أظن أن أحدًا من السلف كان سيختلف في كفر صاحب هذه الصورة.
ومنه تعلم تسرع المصنف في قوله (ص522) : (هذا الخطأ الذي وقع فيه الهضيبي، قد وقع فيه معظم المعاصرين مقلدين في ذلك لابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية ولابن القيم في مدارج السالكين، وأقوالهم كلها لا أصل لها، ولا تقوم على دليل معتبر) أهـ.
فالصحيح أن تفصيل الأئمة صواب في مناطه، وأن الخطأ الذي وقع فيه أكثر المعاصرين هو خلطهم لأقاويل الأئمة في ترك الحكم بما أنزل الله بالصورة القديمة، بصورة الحكم بغير ما أنزل الله الطاغوتية التشريعية في زماننا.
11)خلط المصنف (ص529) بين موضوع ترك حكم الشرع وبين الحكم بغيره، وخطَّأ صاحب كتاب (ضوابط التكفير) حين نصر المذهب القائل: (إن الحاكم الملتزم بالحكم بالشريعة إذا حكم بغير العدل في مسألة معينة أنه لا يكفر إلا إذا استحل ما فعل) ، وقد بين صاحب الضوابط أنه يفرّق بين واقع اليوم التشريعي وما كان الكلام عنه في زمن ابن عباس، وكلامه بيّن، أنه يريد هنا الترك المجرد كمعصية، لمن كان ملتزمًا بشريعة الله، فلا مشاحة، ما دام المعنى واضح واللفظ يحتمل فلا شك أن حكم الهوى والمعصية، حكم بغير العدل، وحكم بغير ما أنزل الله، والحكم الشرعي إنما يتنزل على الحقيقة لا على المسمى فقد يتبدل المسمى ويتغير في عرف الناس أو يصطلحون على غيره، ومع هذا فالحكم الشرعي يبقى متناولًا للحقيقة ولا يتغير بتغيير الناس للمسميات كما في حديث: (ليشربّن ناس من أمتي الخمر يسمّونها بغير اسمها) .] النكت اللوامع ص (14 - 17)