فهرس الكتاب

الصفحة 658 من 1285

مؤمن عاص ناقص الإيمان لايكفر [[1] ، ويدل على إرجائه أيضا تجويزه قول]أنا مؤمن مسلم قطعًا عند الله تعالى [هكذا بدون استثناء بل على وجه القطع والجزم[2] . وهذه كلها أقوال المرجئة بلا ريب.

وأما الدليل على أنه يُدخل العمل في الإيمان الواجب والإيمان المستحب، فقوله]وأما الإيمان الذي يكون الفسق ضدًا له لا الكفر، فهو ماكان من الأعمال فرضًا فإن تركه ضد للعمل وهو فسق لاكفر. وأما الإيمان الذي يكون الترك له ضدًا فهو كل ماكان من الأعمال تطوعًا فإن تركه ضد العمل به وليس فسقًا ولاكفرًا [[3] . والإيمان الذي يضاده الفسق هو الإيمان الواجب، والإيمان الذي يضاده الترك غير المكفر ولا المفسق هو الإيمان المستحب.

وبهذا تعلم أن ابن حزم وافق المرجئة في مسائل ووافق أهل السنة في مسائل، ولهذا فإن قوله]الإيمان والإسلام شئ واحد - إلى قوله - كل ذلك عقد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية [[4] ، كلامه هذا وإن كان موافقا لأهل السنة في ظاهره إلا أنه مخالف لهم في الحقيقة إذ لايُدخِل العمل في أصل الإيمان كما ظهر من كلامه السابق، فأمره مضطرب [5] .

وهذا شأن ابن حزم رحمه الله في معظم العلوم سواء منها الاعتقاد أو أصول الفقه أو الفقه، أمره مضطرب، وكلامه يجمع بين الحق والباطل، ولهذا يجب التوقف في قبول ماانفرد به من آراء وأحكام حتى ينظر فيها، وينبغي ألا يبدأ طالب العلم دراسته بقراءة كتب ابن حزم كالإحكام والمحلى على مافيهما من فوائد، وأنا أنصح بقراءتهما، ولكن في مرحلة متقدمة بعد قراءة غيرهما من الكتب ليستفيدالطالب بما فيهما من فوائد مع توقِّيه ما فيهما من أخطاء.

وفي وصف حال ابن حزم وبيان سبب اضطرابه، قال ابن تيمية]وكذلك أبو محمد بن حزم فيما صنفه في الملل والنحل إنما يستحمد بموافقة السنة والحديث مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك، بخلاف ماانفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة - إلى قوله - وإن كان أبو محمد بن حزم في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث وأكثر تعظيما له ولأهله من غيره، لكن قد خالط من أقوال الفلاسفة والمعتزلة في مسائل الصفات ماصرفه عن موافقة أهل السنة في معاني مذهبهم في ذلك، فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى. وبمثل هذا صار يذمه من يذمه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتباعه لظاهر لاباطن له، كما نفي المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق، وكما نفي خرق العادات ونحوه من عبادات القلب، مضموما إلى مافي كلامه من الوقيعة والإسراف في نفي المعاني ودعوى متابعة الظواهر [[6] ، فهذا حال ابن حزم مالَه وماعليه. ومع هذا فكلامه في الإيمان جدير بالقراءة مع معرفة ما أخطأ فيه.

4 -كتاب (الشفا بتعريف حقوق المصطفى عليه الصلاة والسلام) للقاضي عياض بن موسى اليحصبي 544 هـ. وقد تحدثت عن هذا الكتاب في موضوع (حقوق النبي عليه الصلاة والسلام) ، وذكرت هناك أنه مقسم لأربعة أقسام،

(1) (المحلى) 1/ 40

(2) (الفصل) 3/ 271

(3) (الفصل) 3/ 255

(4) (المحلى) 1/ 38

(5) ولهذا فقد اعتبر ابن الجوزي الظاهرية فرقة ً من فرق المرجئة في كتابه (تلبيس ابليس) ط مكتبة المدني، ص 28

(6) (مجموع الفتاوي) 4/ 18 - 19

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت