فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 1285

والذي يهمنا منها في موضوع الإيمان والكفر هو القسم الرابع الخاص بحكم من سبّ النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا القسم في الطبعة التي زكّيناها (طبعة عيسى الحلبي، تحقيق البجاوي) في ج 2 من ص 926 إلى آخر الكتاب. ... ويعتبر ماذكره القاضي عياض في أحكام سابّ النبي عليه الصلاة والسلام هو الأصل لمن كتب بعده في هذا الموضوع. فقد نقل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في (الصارم المسلول) ، ونقل عنه القاضي برهان الدين بن فرحون المالكي 799هـ في أبواب الرّدة من كتابه (تبصرة الحكام) ، ونقل عنه ابن حجر المكي الهيتمي 974هـ في كتابه (الإعلام بقواطع الإسلام) المطبوع بآخر كتابه (الزواجر في النهي عن اقتراف الكبائر) ، وغيرهم كثير، حتى قال ابن فرحون] وقد استوعب القاضي عياض رحمه الله الكلام في هذا وماأشبهه ولم يترك لغيره مقالا [وقال أيضا] واستيفاء أحكام هذا الباب محلها كتاب الشفاء للقاضي عياض [[1] .

وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية قد بسط القول في موضوع السبّ، فإن القاضي عياض قد أوجز فيه المقال، ولكل من البسط والإيجاز مزيته. ولكن أهمية كتاب (الشفا) واعتباره من الكتب الأساسية لدراسة موضوع الإيمان والكفر لاترجع إلى تناوله حكم سابّ النبي عليه الصلاة والسلام وإنما ترجع إلى تناوله موضوع ضوابط التكفير خاصة من الجانب القضائي، فقد أبرز في القسم الرابع المشار إليه عدة مسائل في هذا الجانب منها:

أ - أن الحكم بالكفر على شخص ٍ ما في الدنيا إنما يكون بصدور قولٍ مكفرٍ منه أو فعل مكفرٍ.

ب - أن الشخص المعيّن لايحكم عليه بالكفر في الدنيا إلا إذا ثبت عليه السبب بطرق الثبوت الشرعية الصحيحة.

ج - التفريق بين الكفر الصريح والكفر المحتمل أو الكفر بالمآل، وهو ماسّماه (إكفار المتأولين) وعقّب هذا الفصل بفصلٍ (في بيان ماهو من المقالات كفر، ومايتوقف أو يختلف فيه، وما ليس بكفر) . وهذا يندرج تحته ماذكرته لك من قبل باسم الأعمال محتملة الدلالة على الكفر.

د - أَنَّ تبيُّن قصد الفاعل معتبر في محتمل الدلالة ولا اعتبار له في الكفر الصريح.

هـ - ولعل أهم مااشتمل عليه كلام القاضي عياض في هذا القسم هى التطبيقات العملية التي أوردها من أحكام القضاة وفتاوي المفتين في مسائل الكفر المختلفة، وبقراءة هذه التطبيقات تدرك مدى إسراف بعض المعاصرين في اعتبار موانع التكفير كالعذر بالجهل وغيره إسرافا يكاد أن يؤدي إلى إسقاط التكليف جملة.

وبعد بيان أهمية كتاب (الشفا) في موضوع الإيمان والكفر، بقي التنبيه على مافيه من أخطاء، ولن ننبه على مافيه من أحاديث ضعيفة فهذه قد نبّه المحقق على أكثرها، وإنما يهمنا هنا التنبيه على الأخطاء في موضوع الإيمان، وهى بعد ماذكرناه قبلا لن تخفى على الطالب، وهى ترجع إلى أن القاضي عياض مذهبه في الإيمان هو مذهب الأشاعرة - وهم إحدى فرق المرجئة - الذين يخرجون العمل من الإيمان، وأن العبد لايكفر بعمل (قول أو فعل) وإنما يكفر بكفر القلب، واتفقوا مع أهل السنة في أن من أتى قولا أو فعلا دل الدليل على كفره فهو كافر ظاهرًا في الحكم وباطنا في الحقيقة، ولكنهم اختلفوا مع أهل السنة في تفسير كفره، فقالوا إنه لم يكفر بنفس القول أو الفعل ولكن لأن اتيانه لهذا

(1) انظر (تبصرة الحكام) 2/ 280 - 281

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت