ومثل هذا يكون كُفْره كُفْر جهل كما قال ابن القيم رحمه الله] والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لاشريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فمالم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل [[1] . وقد نقل المؤلف قول ابن القيم هذا في ص 307 من رسالته؟.
د - وفي ص 211 - 214 قال المؤلف إن من ترك صلاة واحدة أو بعض صلوات لايكفر، وإنما الذي يكفر بترك الصلاة هو التارك لها بالكلية. واستدل لذلك بحديث عبادة بن الصامت مرفوعا (خمس صلوات كتبهن الله عزوجل على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافا بحقهن، كا له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) [2] . ذكر المؤلف هذا الحديث ثم قال - في ص 214 - ]فالحديث صريح على أن الانتقاص من الصلاة بعدم الاتيان ببعضها مع الالتزام بها في الجملة ليس كفرًا، وأن من تحقق منه ذلك فهو تحت المشيئة، ومن كان كذلك لايكون كافرًا، لأن الكافر محكوم عليه بالخلود في النار [. وهذا الذي قاله المؤلف - خطأ، فإنه لاينبغي فهم الأحاديث بمعزل عن قول السلف في المسألة، والثابت عن السلف أن من ترك صلاة واحدة متعمدًا حتى خرج وقتها من غير عذر فقد كفر، وقد نقلت هذا عن ابن القيم من قبل ومن ذلك مانقله عن محمد بن نصر عن ابن المبارك قال] من أخر صلاة حتى يفوت وقته متعمدًا من غير عذر فقد كَفَر [وقال أيضا] وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر [[3] . وعلى هذا فقوله عليه الصلاة والسلام - في الحديث السابق - (ومن لم يأت بهن) يتعين حمله على من انتقص من صفة الصلاة شيئا كأن لايتم ركوعها أو سجودها، لا من انتقص من عددها شيئا.
ولو كان القول على ماقاله المؤلف - من أن ترك صلاة أو بعض صلوات لايُكفِّر - لفُتِحَ بذلك باب التلاعب بالأحكام الشرعية على مصراعيه، إذ لايكون هناك سبيل لتكفير من ترك الصلاة في أحكام الدنيا، ولكان ترك الصلاة من الأعمال محتملة الدلالة على الكفر، إذ بإمكان كل من يُراد مؤاخذته على ترك الصلاة أن يحتج على القاضي بأنه يصلي شهرًا ويترك شهرًا أو يصلي أسبوعًا ويترك أسبوعًا أو أنه يصلي الجمعة فقط أو أنه يذكر أنه كان يصلي منذ عدة سنوات، وهو في كل هذه الصور غير تارك للصلاة بالكلية، فلا سبيل إلى تكفيره حسب قول المؤلف، ويصبح ترك الصلاة بذلك غير صريح في الكفر بل محتمل الدلالة، وفساد هذه اللوازم ينبئك عن فساد القول المستلزم لها.
هذا، وأحب أن أنبه هنا على أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد تناقض كلامه في هذه المسألة، فذكر حديثا بمعنى ماذكره المؤلف هنا، وهو قوله عليه الصلاة والسلام (خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له) الحديث، وذكر أن الذي في المشيئة - بما يعني أنه غير كافر - هو من لم يحافظ على الصلاة لا تاركها، وفسّر عدم المحافظة بتأخير الصلاة عن وقتها وضرب لذلك مثالا بأمراء بني أمية وكانوا يؤخرونها لآخر وقتها لابعد خروج وقتها كما
(1) (طريق الهجرتين) ص 411، ط دار الكتب العلمية 1402هـ
(2) رواه مالك وأبو داود والنسائي ونقل الشوكاني تصحيحه عن ابن عبدالبر (نيل الأوطار، 1/ 373)
(3) (الصلاة) لابن القيم ص 31، ط دار الكتب العلمية