• فاعلم أنه لافرق بين من حكم في قضية واحدة وبين من حكم في جميع القضايا بغير ماأنزل الله، كما أنه لافرق بين من سَرَق مرة ومن سرق مائة مرة، هذا سارق وهذا سارق، ومما يؤكد فساد هذا التفريق مخالفته لسبب النزول فإن الحكم بالكفر في آية المائدة ترتب على ترك الحكم بالشريعة في قضية واحدة وهى حُكم الزاني المحصن [1] . فالتفريق بين الحكم في
(1) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[وهذا غير سديد، فإن الناظر في سبب النزول يتضح له أن الحكم ترتب على ترك جنس الحدّ في الزاني المحصن، والتشريع أو التواطؤ على غير حد الله في هذا الباب، فها هنا جريمتان كلاهما مكفر:
ترك جنس حد الله في الزنا (التوليّ والإعراض عنه) ، أي (عدم التزامه) .
والتشريع أو التواطؤ والاجتماع أو متابعة والتزام تشريع آخر في عقوبة الزنا.
وهذا هو الكفر الذي تحدثت عنه الآيات وسواء بعد ذلك، طبّق التشريع المبدّل مرة واحدة أو مرات عديدة، أو لم يطبق في بعض الأحوال، فذلك الإعراض عن جنس حد من حدود الله بالكلية كفر أكبر، والتشريع لعقوبة أخرى فيه كفر أكبر أيضًا، ومتابعة ذلك التشريع والتزامه كفر أكبر. وليس الكفر الوارد في سبب النزول هو ما قاله المؤلف مرارًا، لمجرد ترك حكم الشريعة في قضية واحدة، فأدخل في كلامه هذا، القاضي الملتزم بشرع الله أصلًا، يدين به ولا يتبع تشريعًا غيره وإنما مخالفته تكون بترك تنزيل الحكم الشرعي أحيانًا للهوى والرشوة ونحوها، وهي الصورة التي اختلفت فيها مقالات السلف وهذا يندرج تحت ترك بعض الطاعة (جزء الطاعة) لا الانخلاع عن جنسها الذي يعرف بكفر التولي والإعراض.
وحتى أجلّي الفرق بين النوعين: أرجعك إلى حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في صحيح مسلم والذي يحكي سبب نزول الآيات:
تأمل قول عالمهم فيه أولًا: (نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد) فإلى هنا كانت جريمتهم هي ترك الحكم بما أنزل الله في جريمة زنا المحصن أحيانًا ظلمًا وجورًا ومعصية سواء لأجل القرابة أو مراعاة للأغنياء أو أكلًا للرشوة والسُّحت، ولكن من دون التولي عن جنس الحدِّ بالكلية أو اتباع لتشريع آخر فيه.
وهي الصورة التي اختلفت مقالات السلف في شيء قريب منها، فأوَّل بعضهم الكفر في مناظراتهم لمن أنزل آية المائدة على ذلك، فقالوا: (كفر دون كفر) أو: (ليس الكفر المخرج من الملّة) ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (أنها الكفر) ، وهو النوع الذي يخلط فيه ويلبّس مرجئة العصر فينزلون أقاويل السلف فيه على واقع اليوم التشريعي الطاغوتي فيحشرونه في غير مناطه، ومن ثم يتهمون من كفّر طواغيت العصر بأنه انحرف عن سبيل المؤمنين وكفّر عصاة المسلمين وسلك مسلك الخوارج.
وهي الصورة التي يتبنى فيها المصنف ظاهر قول ابن مسعود رضي الله عنه ويخطّىء لأجل ذلك كثيرًا من المتقدمين والمتأخرين القائلين بخلافه.
ثم تأمل قولهم بعد ذلك في حديث مسلم: (قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم) أهـ.
فها هنا ارتكبوا جريمتين كل منهما مكفر:
الأولى: ترك جنس حدِّ الله في الزاني المحصن بالكلية والإعراض عنه وعدم التزامه. (أي ترك جنس الحكم بما أنزل الله والتولّي عنه في هذا الباب) .
والثانية: التشريع مع الله أو تبديل حد من حدود الله، أو التزام شرع غير شرع الله (أي: حكموا بغير ما أنزل الله وتحاكموا إلى الطاغوت) .
وهذا عين الجريمتين اللتين يكفرُ بهما طواغيت العصر، ولكن بصورة أخبث وأوسع، فإن اليهود في هذا الخبر تركوا جنس حكم الله في الزنا وأعرضوا عنه وتواطأوا على تشريع آخر فيه، فكفروا كفرًا أكبر.
أما طواغيت العصر فقد مارسوا ذلك وفعلوه لكن في جميع حدود الله وأحكامه.
فترك جنس حكم الله ولو في حدٍّ واحد من حدود الله كفر أكبر.
والتواطؤ على تشريع غير تشريع الله والتزامه ولو في باب واحد من أبواب الحكم الشرعي الإلهي، كفرًا أكبر مخرج من الملّة،
وهذه هي صورة سبب نزول قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44، (الظَّالِمُونَ) ، (الْفَاسِقُونَ) . كما قال البراء: (في الكفار كلها) ، فالمراد بها جميعًا الكفر المخرج من الملّة.
وليس سبب نزولها هو الترك المجرد لتنزيل حكم الله كمعصية أحيانًا لمن كان ملتزمًا بشرع الله ولا يدين بشرع سواه في أي حكم من أحكام الله.
ولنا أن نلخص ما تقدم بأن نقول:
إن آية المائدة مع بيان سبب نزولها؛ نصّ في الحكم بغير ما أنزل الله بنوعه الشركي الطاغوتي.
وإن ظاهرها وعمومها يدخل فيه النوع الآخر الذي اختلف فيه السلف.
فالنوع الشركي الطاغوتي هو مناط الآية وسبب نزولها ولذلك أبقى العلماء الكفر فيها على حقيقته، لأن الأصل في ألفاظ القرآن حقيقتها، وكذلك الأصل في الكفر المعرّف في اللغة، حقيقة الكفر ولا يصرف إلى المجاز أي: (الكفر الأصغر) إلا بدليل.
أما النوع الآخر الذي هو ليس بالكفر الأكبر إلا أن مُسمّاه داخل تحت عموم لفظ الآية، ولذلك استدل بها عليه من استدل من الخوارج، ولم يعتبروا تفسير سبب النزول لها حتى قام بعضهم بتكفير كل من عصى الله، إذ كل من عصى فقد حكم بغير ما أنزل الله عندهم، وأوَّل السلف الكفر فيها عند ردهم على الخوارج الذين أنزلوها في غير مناطها فقالوا لهم: (ليس الكفر الذي تذهبون إليه) فهذه المقالة وأمثالها ليست تفسيرًا من السلف للآية، فقد عرفت تفسير الآية من سبب النزول، وإنما ذلك ردّ منهم على الخوارج الذين وضعوها في غير مناطها.
فالحق أن تبقى على ظاهرها في مناطها وصورة سبب نزولها، وأن تؤوَّل في غير مناطها. ومرجئة العصر الخوالف، أوَّلوها في مناطها وفي غير مناطها، وخلطوا النوع الأول بالآخر.] النكت اللوامع ص (17 - 19)