فهرس الكتاب

الصفحة 678 من 1285

لأنه تخصيص وقول الصحابي لايخصص عموم القرآن، ولافي كل الصور لأنه نسخ وقول الصحابي لاينسخ القرآن. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي] واعلم أنه التحقيق أنه لايُخصص النص بقول الصحابي إلا إذا كان له حكم الرفع، لأن النصوص لاتُخصص باجتهاد أحد لأنها حجة على كل من خالفها [[1] . وأما أن قول الصحابي لا ينسخ القرآن فلأن الإجماع لا ينسخه، فقول الصاحب الواحد لاينسخه من باب أولى [2] .

وهذا كله على فرض أن قول الصحابي صحيح من جهة النقل، صريح في الدلالة، سالم من المعارض، وهذه الشروط لم تكتمل لقول ابن عباس ولو اكتملت لما صلح قوله لا للنسخ ولا التخصيص كما أسلفت.

أما تضعيف قول ابن عباس من جهة النقل فسأذكره في المبحث الثامن إن شاء الله.

وأما دلالته على المسألة محل النزاع فغير صريحة، فلا يصلح قوله للاحتجاج فيها، فهو لم يقل بأن قوله فيمن قضى في قضية معينة ولم يصرح بأن قوله كفر دون كفر هو في الحكم بمعنى القضاء بغير ما أنزل الله. وإنما يُحمل قوله هذا على أنه رد على الخوارج المكفرين بمطلق المعاصي بحجة أن كل من عصى الله فقد حكم بغير ماأنزل الله، ومناظرات ابن عباس للخوارج وردوده عليهم مشهورة في كتب العلم، ويدل على ذلك مناظرة أبي مجلز للخوارج.

وأما من جهة السلامة من المعارض، فاعلم أن قول الصحابي لايصح الاحتجاج به - فيما يصلح للاحتجاج به فيه - إلا إذا كان سالمًا من المعارض، وفي هذه المسألة قد عورِضَ قوله بقول ابن مسعود الذي قال إن الحاكم إذا ترك حكم الله بسبب الرشوة - وهى داخلة في ترك الحكم للشهوة - فذاك الكفر [3] . وقول ابن مسعود هذا مثبت في جميع التفاسير في تفسير آية المائدة (44) والمعاصرون لاينقلونه وينقلون قول ابن عباس فقط، فاعلم أن أقوال الصحابة إذا اختلفت فلا حجة في أحدها ووجب الترجيح بينها وهذا إجماع لأهل العلم لايختلفون فيه [4] . وسيأتي تفصيل هذا في المبحث الثامن إن شاء الله.

وعلى هذا فالصواب في هذه المسألة هو مانقله ابن القيم في قوله] ومنهم من تأولها على الحكم بمخالفة النص تعمدًا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عمومًا [[5] .

وأنبّه هنا على مسألة الحكم بغير ماأنزل الله في قضية معينة غير واردة في حق الحكام والقضاة في البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية، إذ إن هؤلاء ملتزمون بموجب الدستور الوضعي بالحكم بغير ماأنزل الله في الأصل، وإنما تَرِدُ هذه المسألة في حق الحاكم المتلزم بالحكم بالشريعة في الأصل ثم خالفها في بعض الأحكام، فإن تعمد المخالفة فقد كَفَر.

و - وفي ص 227 قال المؤلف]وأما العالم بلزوم الالتزام بالشريعة لتحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله لكن تحققت منه المخالفة في الظاهر بالالتزام بغير الشريعة لكن لا على جهة رفض الشريعة وردّها، بل قد يكون عن ظنّ بأن فعله

(1) (مذكرة أصول الفقه) ص 199.

(2) (المصدر السابق) ص 105

(3) ورواه الطبراني عنه بإسناد صحيح كما قال ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر) 2/ 189، ط دار المعرفة 1402هـ

(4) انظر (اعلام الموقعين) 4/ 118 ومابعدها

(5) (مدارج السالكين) 1/ 365، ط 1، دار الكتب العلمية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت