وذلك أن الله تعالى قد خلق الناس لحكمة هى عبادته وحده، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات: 56، وليس كل إنسان تبلغه الحجة بالرسل، فلزم إذن لتحقيق تلك الحكمة أن يكون معهم أصل هو مناط تكليفهم إذا لم تبلغهم دعوة الرسل، وتلك هى الفطرة على التوحيد - ثم ذكر حديث (كل مولود يولد على الفطرة .... ) إلى أن قال - وهذه الفطرة على التوحيد هى مقتضى الإشهاد الذي أخذه الله تعالى على جميع بني آدم حين أخذهم من ظهور آبائهم - ثم ذكر الآية (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) الأعراف: 172، إلى أن قال - وهذا يعني أن الإشهاد على التوحيد ليس لمجرد إقامة الحجة بل هو أيضا مناط للتكليف ومخالفته تقتضي التعذيب ولو لم يكن بلاغ عن طريق الرسل. ويؤيد ذلك ماجاء في الحديث المتفق عليه وفيه «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبًا أكنت مفتديا به؟ فيقول نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم ألا تشرك، فأبيت إلا الشرك» [ص 300 - 301.
قلت: والصواب في هذا - كما سبق تفصيله في الباب السادس من هذا الكتاب - أن الحجة إنما تقوم على الخلق في التوحيد والشريعة بالرسُل، وفي هذا قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي]والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله تعالى لايعذب أحدًا حتى يقيم عليه الحجة بانذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وماركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) الإسراء: 15، فإنه قال فيها: حتى نبعث رسولًا ولم يقل حتى نخلق عقولًا وننصب أدلة ونركز فطرة. ومن ذلك قوله تعالى (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) النساء: 165 فصرّح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس وينقطع به عذرهم هو إنذار الرسل، لانصب الأدلة والخلق على الفطرة. ومن ذلك أنه تعالى صرّح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة، كقوله تعالى (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ)
الملك:8-9 [[1] .
وننبه على بعض الأخطاء التفصيلية الواردة في كلامه السابق:
• فمنها قوله]الفطرة هى الأصل في الحجة على جميع الناس بالتوحيد [، وقد ثبت بالنص أن التوحيد هو أول مادعا إليه الرسل كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) النحل: 36. وهذا يدل على أن إقامة الحجة بالتوحيد يدخل ضمن الحجة الرسالية.
• ومنها قوله إن الله خلق الناس لعبادته وليس كل انسان تبلغه حجة الرسل فلزم أن تكون الحجة عليهم بالفطرة، هذا ملخص كلامه، وقد أداه إلى هذا انكاره لحديث اختبار من لم تبلغهم دعوة الرسل بعرصات القيامة - كما سيأتي قوله
(1) (أضواء البيان) 2/ 336 - 338