-فوقع بذلك في ثلاثة أخطاء: انكاره للحديث مع تقرير أهل السنة له، وحصره للعذاب المترتب على تكذيب الرسل في عذاب الدنيا وهذا خطأ فاحش سيأتي ذكره، واعتباره أن الفطرة والميثاق حجة مستقلة وهذا خطأ لسببين:
الأول: أن الفطرة والميثاق (الإشهاد) لو كانا حجة مستقلة لكان كل أحدٍ يذكرهما في هذه الدنيا، فإن الله لا يكلف الخلق بما لا يعلمونه، وقد ثبت أن الإنسان يخرج إلى الدنيا لايعلم شيئا حتى تأتيه حجة الرسل، قال تعالى (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا) النحل: 78.
السبب الثاني: أن الفطرة والميثاق لو كانا حجة مستقلة على الخلق بالتوحيد وعدم الشرك كما قال المؤلف] ومخالفته - أي الإشهاد - تقتضي التعذيب ولو لم يكن بلاغ عن طريق الرسل [، لو كان كذلك لوجب أن يحتج خزنة جهنم على أهل النار بالميثاق والرسل، لأنه ليس كل أحد قد بلغته دعوة الرسل فمن لم تبلغه فالموجب لتعذيبه - حسب قول المؤلف - مخالفة الميثاق، فوجب أن يحتج الخزنة على أهل النار بمخالفة الميثاق والرسل، ولكن القرآن قد ورد بخلاف قوله وأن الموجب لعذاب أهل النار هو مخالفتهم للرسل كما قال تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) الزمر:71، فبيّن لهم الخزنة أن الموجب لعذابهم مخالفة الرسل لامخالفة الفطرة والميثاق.
وقد سبق في الباب السادس بيان أن الميثاق (الإشهاد) حجة (بدليل آية الأعراف 172، وبدليل الحديث الذي ذكره المؤلف «فأبيت إلا الشرك» ) ولكنه حجة غير مستقلة بدليل أن الله أخرج الناس من بطون أمهاتهم لايعلمون شيئا (آية النحل 78) وبدليل أن خزنة النار احتجوا على أهلها بمخالفة الرسل لا الميثاق. وكون الميثاق حجة غير مستقلة معناه أنه بحاجة إلى من يذكِّر الناس به في الدنيا ويعرفهم بتفاصيل مايجب عليهم، وهذه هى حُجة الرسل، فالرسل يذكِّرون بالميثاق كما قال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) الغاشية: 21، ونحوها من الآيات، وبهذا أجاب أهل العلم عن الحديث الذي أورده المؤلف وفيه (قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم ألا تشرك) الحديث، أن فيه دلالة اقتضاء وهى (قد أردت منك ... ألا تشرك) وقد أرسلت إليكم رسلي يذكرونكم بذلك. ولو لم تكن دلالة الاقتضاء هذه لازمة لقال هذا المشرك المحتج عليه بالميثاق: يارب أخرجتني من بطن أمي لا أعلم شيئا. فقد قال تعالى (يَوْمَ تَاتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) النحل: 111. فدلالة الاقتضاء هذه لابد منها، وهى واردة في أحاديث كثيرة كتلك الدالة على أن (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) و (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة) . وبعض من يقول الشهادة ويعلم معناها نحن نقطع بأنه كافر مشرك لايدخل الجنة أبدًا، فقد كان مسيلمة الكذاب واتباعه يقولونها وكانوا يصلون، فدل على أن معنى هذه الأحاديث أنه يدخل الجنة إذا أتى بما تستلزمه الشهادة من واجبات ولم يأت بما يناقضها، والضابط الجامع في هذه الأحاديث ونحوها (أنه يترتب الحكم على السبب إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع) . فقول (لا إله إلا الله) والعلم بمعناها أسباب لحكم وهو دخول الجنة، ولكن لايترتب الحكم على سببه حتى تتوفر شروطه