إذا انفردا وقسيمه إذا اجتمعا، والسلف إنما قالوا بهذا - الانفراد والاجتماع - عن الإيمان الذي هو الدين كله أي الإيمان الكامل أو الإيمان المطلق لا أصل الإيمان فقط الذي سّماه المؤلف بالإيمان المجمل، فهذا الذي صنعه المؤلف خلط واضطراب.
وإذا سلّمنا بقول الاستاذ الشاذلي إنه أراد بلفظ الإيمان المنفرد أصل الإيمان - الذي سّماه الإيمان المجمل - وأنه مرادف للتوحيد. فنقول إن أصل الإيمان ضده الكفر، وهو لايختلف معنا في هذا، ونقول أجمع الصحابة على أن ترك الصلاة كفر، فلابد أن تكون الصلاة داخلة في أصل الإيمان، إذن فلم يقتصر أصل الإيمان على التوحيد فقط، وماقلناه في الصلاة يقال في الإيمان بالملائكة والإيمان باليوم الآخر، وهى أمور زائدة على التوحيد. فتبيّن أن قوله] الإيمان - حتى لو أراد به أصل الإيمان أو الإيمان المجمل - إنه هو التوحيد[هو قول خطأ.
وقبل أن ننتقل إلى فقرة أخرى من كلامه، نقول: قال السلف: إن الإيمان قول وعمل، أو إنه قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، ونحوها من الأقوال التي نقلناها عن ابن تيمية في الكلام عن كتاب (الإيمان) لمحمد نعيم ياسين. فهذه أقوال السلف في الإيمان. فمن من السلف قال بقول الاستاذ الشاذلي: إن الإيمان هو التوحيد القولي أو توحيد الصفات عند اقترانه بالإسلام، وإن الإيمان هو التوحيد بنوعيه عند الإطلاق؟. بكل أسف هذا قول مخترع ليس له أصل في كلام السلف فضلا عن أن يكون له أصل في الكتاب والسنة، وهذا الدين مبني على النقل كما أسلفت. وإذا اتفق السلف على قولٍ فليس لأحد من الأمة أن يخرج عنه أو أن يُحدث غيره، وإذا اختلفوا على قولين أو ثلاثة فليس لأحد أن يُحدث قولا جديدًا زائدًا عنهم لأنه يعني أن الحق غاب عن السلف وأدركه المتأخر، وهذا منكر عظيم، لأنه يعني أن الأمة كانت على ضلالة حتى أدرك المتأخرُ الحقَّ، والأمة لاتجتمع على ضلالة بالإجماع ولابد فيها من طائفة على الحق دائما وأبدا، فإذا اختلفوا على أقوال فالحق في واحدٍ منها ليس خارجًا عنها، وإذا أتى المتأخر بقول خارج عن أقوالهم فهو خطأ قطعًا إذ الحق في واحد من أقوالهم [1] . وبتطبيق هذا الأصل تعلم أن التفسيرات التي وضعها الأستاذ الشاذلي للإيمان والإسلام هى خطأ بلا ريب لخروجها عما قال به السلف في ذلك.
ثم ننتقل إلى فقرة أخرى من كلامه.
هـ - قال الاستاذ الشاذلي] ولفظ الإيمان بهذه الدلالة هو الإيمان المجمل، ثم قد يُقرن بالإيمان الواجب في آية واحدة، فإذا ذهب بعض الإيمان الواجب بترك بعض الواجبات أو بفعل بعض المحرمات، بقي بعضه وبقي معه الإيمان المجمل لايتبعّض[ (ص 223 من كتابه) . يتبيّن من كلامه هذا أنه أراد بالإيمان المجمل أصل الإيمان لأنه هو الذي يبقي بعد ذهاب الإيمان الواجب. ولنا هنا تعليقان:
التعليق الأول: تعبيره عن أصل الإيمان بلفظ الإيمان المجمل غير دقيق، فهما ليسا مترادفَيْن. فإن السلف يستعملون أصل الإيمان كجزء في مقابل الإيمان الواجب والإيمان الكامل، في حين يستعملون الإيمان المجمل في مقابل الإيمان المفصل،
قال ابن تيمية عن الإيمان]وهو مركب من أصل لايتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة،
(1) انظر في الكلام عن هذه المسألة (مجموع فتاوى ابن تيمية) ج 13 ص 59 - 60