ومن مستحب يفوت بفواته علوّ الدرجة [[1] .
وقال شارح العقيدة الطحاوية]فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلا يجب عليه من الإيمان أن يعلم ماأُمِرَ به، ويؤمن بأن الله أوجب عليه مالا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملًا، وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل[ص 377 - 378. فهذه استعمالات السلف لمصطلحي أصل الإيمان، والإيمان المجمل، وقد سبق القول بأن كل عمل يكفر تاركه فهو داخل في أصل الإيمان، إذ إن أصل الإيمان هو القدر الذي ينجو به العبد من الكفر، ومن هذه الأعمال: الصلاة بإجماع الصحابة كما أسلفنا القول، وماوجب من الأعمال لابد من أن يؤمن به العبد إيمانا مفصلًا بكيفيته ومايصح به وما يُفسده، فالإيمان المفصل بالصلاة داخل في أصل الإيمان بلا شك، فلم يقتصر أصل الإيمان بذلك على الإيمان المجمل ولايرادفه. وبهذا يتبين لك خطأ المؤلف في تعبيره عن أصل الإيمان بالإيمان المجمل. فأصل الإيمان يشتمل على الإيمان المجمل بأمور والإيمان المفصل بأمور أخري.
أما التعليق الثاني: فهو على قوله]وبقي معه الإيمان المجمل لايتبعض[، وقد تبين أنه أراد بالإيمان المجمل أصل الإيمان، فقوله إن أصل الإيمان لايتبعض خطأ بل هو قول المرجئة، فإنه يتبعض شأنه في ذلك شأن الإيمان كله. فأصل الإيمان - الذي هو ضد الكفر - يتكون من شُعب كل شُعبة منها إيمان وهذا يدل على أنه يتبعض إلا أنه لايصح إلا باكتمال هذه الشعب، فهناك فرق بين عدم التبعض وعدم الصحة.
أما شُعب أصل الإيمان والذي لا يصح إلا باكتمالها فهى:
على القلب: المعرفة والتصديق وبعض أعمال القلب كالإخلاص والمحبة والخشية والانقياد والرضا والتسليم لله، والمقصود بالمعرفة أي معرفة معنى لا إله إلا الله وماتدل عليه كما نص عليه في حديث عثمان بن عفان عند مسلم، ومعرفة ماجاء به الرسول عليه الصلاة والسلام إجمالا، والمقصود بالتصديق تصديقه في كل ماجاء به جملة وعلى الغيب. ويتبع المعرفة: التصديق بما عرفه وأعمال القلب والتي أهمها الرضا والإذعان لما عرفه وصدّق به وايثاره على ماعداه وهى المحبة، وخشية الله دون ماسواه. هذا مايجب على القلب. وإذا قامت هذه الأعمال بالقلب على الوجه الصحيح فلابد أن يتبعها عمل الجوارح.
وعلى اللسان: الإقرار بالشهادتين. وهذا الإقرار يفترض أنه إخبار عن تصديق القلب وعن إنشاء الالتزام بسائر شرائع الإيمان، فمن لم يقر مع القدرة فهو كافر، ومن أقر فهو مسلم في أحكام الدنيا، فإن صاحَبَ إقرار اللسان اعتقاد القلب نفعه إقراره عند الله تعالى في الآخرة، وإن أقر بلسانه دون قلبه فهو مسلم في الظاهر كافر على الحقيقة وهو المنافق النفاق الأكبر.
وعلى الجوارح: أعمال الجوارح التي يكفر تاركها كالصلاة.
فهذه الشُعَب تدل على أن أصل الإيمان يتبعض، وقد نقل الاستاذ الشاذلي مايدل على ذلك - في ص 217 من كتابه - عن ابن تيمية قوله]فإن الإيمان أصله معرفة القلب وتصديقه، والعمل تابع لهذا العلم والتصديق ملازم له، ولايكون
(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 637