جدًا مااستطاعوا منها [[1] فترجم الاستاذ الشاذلي كلام ابن كثير هذا في مصطلح (الإيمان الواجب الكامل) . وهذا المصطلح لايُعبّر عن معنى الآية ولا عن معنى كلام ابن كثير في تفسيره.
وبيان ذلك أن الإيمان له ثلاث مراتب - وقد ذكرتها في تعليقي على العقيدة الطحاوية - وأوجزها هنا فأقول:
• المرتبة الأولى: أصل الإيمان - وتكلمنا عنه في الفقرة السابقة - ويُسمى أيضا (مطلق الإيمان) ، وبه النجاة من الكفر فأصل الإيمان مضاد للكفر، وبه يدخل العبد في عموم المخاطبين بقوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا) ، وبه يستحق العبد أن يخرج من النار إذا دخلها بتقصيره في الإيمان الواجب ولم يشأ الله أن يغفر له.
• المرتبة الثانية: الإيمان الواجب، وهو مازاد عن أصل الإيمان من فعل الواجبات وترك المحرمات، ويُسمى أيضا (كمال الإيمان الواجب) ، والناس فيه على درجتين:
الدرجة الأولى: المقصرون فيه، بترك واجب أوفعل محرم، وهم أصحاب الكبائر أو مايُسمى بالفاسق المِلّي، وهم أصحاب الوعيد، ومن مات منهم غير تائب فهو في مشىئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ثم يخرجه من النار بما معه من أصل الإيمان، وهذه درجة (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ) فاطر: 32، وإذا غفر الله له دخل الجنة ابتداء بلا سابقة عذاب.
الدرجة الثانية: الذين أدّوا الإيمان الواجب بتمامه لم يقصروا فيه ولم يزيدوا عليه، وهذه مرتبة (وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ) فاطر: 32، وهؤلاء هم المستحقون للوعد السالمون من الوعيد، أي أنهم يستحقون دخول الجنة ابتداء بلا سابقة عذاب بفضل الله وبرحمته حسب وعده الصادق، وفي هؤلاء أيضا قوله عليه الصلاة والسلام - فيمن اقتصر على فعل الواجب -
(أفلح إن صدق) [2] . وأصحاب هذه الدرجة قد أتوا بالإيمان الواجب الكامل، وهذا هو المصطلح الذي ذكره الاستاذ الشاذلي، وهو لايُعبّر عن كل شرائع الإسلام المذكورة في قوله تعالى (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً) البقرة: 208 وإنما يعبّر هذا المصطلح عن الواجب فقط من هذه الشرائع ولايدخل فيه المستحبات. قال ابن تيمية] والإيمان المؤلف من الأقوال الواجبة والأعمال الواجبة الباطنة والظاهرة هو المجموع الواجب الكامل [[3] .
• المرتبة الثالثة: الإيمان المستحب، وهو مازاد عن الإيمان الواجب من فعل المندوبات والمستحبات وترك المكروهات والمشتبهات، وهذه درجة (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) فاطر: 32، وهم المحسنون وأصحاب هذه الدرجة يدخلون الجنة ابتداء بلا سابقة عذاب برحمة الله تعالى في درجة أعلى من المقتصدين، (وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء: 21، وتسمى هذه المرتبة أيضا بمرتبة كمال الإيمان المستحب.
هذه مراتب الإيمان الثلاث، ومجموعها يُسمى: الإيمان الكامل. وهو ماعناه عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه بقوله] إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودًا وسننًا، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان [رواه البخاري تعليقا في أول كتاب الإيمان من صحيحه، وقوله] فقد استكمل الإيمان [هى مرتبة الإيمان الكامل، وهى المرتبة
(1) (تفسير ابن كثير، 1/ 248)
(2) الحديث متفق عليه
(3) (مجموع الفتاوي) 18/ 276