التي عناها ابن كثير في قوله] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام [وهذا الكلام يشتمل على مراتب الإيمان الثلاث: أصله وكماله الواجب وكماله المستحب، أما المصطلح الذي استخدمه الاستاذ الشاذلي وهو] الإيمان الواجب الكامل [فإنه لايشتمل على كمال الإيمان المستحب وبالتالي فإن مصطلحه هذا لايعبر عن معنى الآية التي استدل بها، كما لايعبر عن معنى كلام ابن كثير، فقد عبّر المؤلف عن مرتبة ٍ بمصطلح خاص بمرتبة أدنى منها، ولهذا فقد كان ينبغي أن يستخدم مصطلح (الإيمان الكامل) أو (الإيمان الواجب والمستحب) بدلا من قوله] الإيمان الواجب الكامل[.
ثم ننتقل إلي فقرة أخرى من كلامه.
ز - في الصفحات من 311 إلى 317 من كتابه ذكر وقائع نقض بني النضير وبني قريظة وكفار مكة عهودهم مع النبي عليه الصلاة والسلام فقاتلهم وأجرى على الساكت منهم حكم الناقض لأنهم كانوا طوائف ممتنعين بشوكة. كما ذكر أن الردء له حكم المباشر في المحاربة والجهاد. هذا حاصل كلامه، وهذا كله صواب لاغبار عليه. والردء هو المعين على القتال بغير مباشرة منه له.
ولكن الإشكال في تعليقه على هذه الوقائع، فقد قال مانصّه]ومن هذه القاعدة يتبيّن أن تطبيق مبدأ ألا يؤخذ أحد بجريرة غيره في حالة الأفراد الذين تنالهم القدرة وتصل إليهم اليد، لابد أن يتقيّد بالقيود المقتضية للإطراد في حالة الدور التي يمتنع فيها أهلها بسلطان فيكون حكم الردء حكم المباشر، وحكم المقر والساكت حكم الناقض والمحارب، مع أنه لم يباشر النقض والحرب كل فرد من الناس [[1] . والإشكال في كلامه هذا في موضعين:
الموضع الأول: تعميمه حكم المعاهدين على كل دار يمتنع أهلها بسلطان: فالحكم الذي ذكره خاص بأهل العهد من الكفار الأصليين إذا نقض بعضهم العهد ولم ينكر الباقون فهؤلاء هم الذين يجري على الساكت فيهم حكم الناقض منهم. قال السيوطي رحمه الله - في قواعده الفقهية -]القاعدة الثامنة عشرة «لا يُنسب للساكت قول» . هذه عبارة الشافعي رضي الله عنه - إلى قوله - وخرج عن هذه القاعدة صور: منها لو نقض بعض أهل الذمة ولم يُنكر الباقون بقول ولا فعل، بل سكتوا، انتقض فيهم أيضا [[2] . فتعميم هذا الحكم على غير هذه الصورة غير صحيح. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قتل جميع الرجال المقاتلة حكما في بني قريظة، في حين ورد الشرع بالنهي عن قتل الرهبان والشيوخ والفلاحين ممن لايقاتلون فعلا وإن كانوا من المقاتلة حكما وذلك في أهل الحرب وهم من أهل المنعة كما هو مقرر في فقه الجهاد.
الموضع الثاني: تعميمه الأحكام في قوله (حُكْم ... حُكْم ... حُكْم ... ) فقد أبهم المراد بالحكم، هل أراد به أحكام القتال أم أحكام الإيمان والكفر؟. فالوقائع التي ذكرها فيها التسوية في أحكام القتال، أما أحكام الإيمان والكفر فلها أسباب وعلل أخرى. وقد ترتب على إبهام المؤلف للحكم المراد في كلامه أن استند إليه البعض في تكفير عوام المسلمين الساكتين في البلاد التي يحكمها بغير ماأنزل الله حكام مرتدون ممتنعون بالشوكة، لأن المؤلف أجرى على الساكت حكم المحارب في الديار الممتنعة، فكان يجب عليه التفصيل في هذا الموضع ونظرًا لأهمية المسألة وكونها من النوازل ولكثرة
(1) ص 317 من كتابه (حد الإسلام)
(2) (الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية) للسيوطي، ص 266 - 267، ط دار الكتاب العربي 1407هـ