الجدل القائم حولها أعرض لها بإيجاز فيما يلي من جهتين: من جهة أحكام الإيمان والكفر ومن جهة أحكام القتال، وكلامي هنا عن الساكتين بهذه البلاد وهم جمهور أهلها، أما من ظهرت منه موافقة ورضا أو إعانة للحكام الكافرين على كفرهم فالكلام فيه يأتي إن شاء الله عند نقد كتاب (الرسالة الليمانية في الموالاة) كما وعدت من قبل. أما بالنسبة للساكتين عن إعانة الحكام الكفار وعن الانكار عليهم وهم الأغلبية الصامتة بهذه البلاد، فأحكامهم على النحو التالي:
أولا: من جهة أحكام الإيمان والكفر.
فالساكت بهذه البلاد لايخلو حاله من حال من ثلاث: أن يكون ظاهره الكفر أو يكون ظاهره الإسلام أو لا يظهر منه شيء يدل على إسلام أو كفر.
1 -فمن كان ظاهرُهُ الكفر من كافر ٍ أصلي أو مرتد.
فهو كافر حكمًا، كالنصراني واليهودي والشيوعي الملحد والمرتد بترك الصلاة أو سبّ الدين أو عبادة المقبورين بالدعاء والاستغاثة والنذر والذبح أو غيرها من أسباب الردّة.
2 -ومن كان ظاهره الإسلام.
فهو مسلم حكمًا، وهو المسمى بالمسلم مستور الحال، وهو من ظهرت منه علامة من علامات الإسلام ولم يعرف عنه ناقض من نواقضه. وذلك لأن علامات الإسلام هى أسباب ظاهرة رتب عليها الشارع الحكم لصاحبها بالإسلام، فيثبت له حكمه، إلا أن يعارض هذا الظاهر ظاهرٌ أقوى منه كإتيانه بناقض للإسلام فيُرَجَّح عليه، فما لم يُعرف عنه ناقض للإسلام فحكم الإسلام ثابت له. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام (من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم) [1] ، وقال ابن حجر في شرحه] وفيه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعائر الدين أجريت عليه أحكام أهله مالم يظهر منه خلاف ذلك [[2] .
وقد أخطأ في حكم المسلم مستور الحال طائفتان:
أ - طائفة كفّرت المسلم مستور الحال لسكوته عن الحاكم الكافر، باعتبار أن السكوت دليل رضا. وهؤلاء لهم سلف من بعض فرق الخوارج - وهم العوفية والبيهسية - الذين قالوا إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد [3] . وهذا قول فاسد، وقد سبق بيان أنه (لايُنسب إلى ساكت ٍ قولٌ) ويؤكد هذا قول رسول الله عليه الصلاة والسلام (من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [4] ، فقد دل هذا الحديث على أن الساكت بلسانه قد يكون منكرًا بقلبه، وهو بذلك مازال مؤمنا، ومن هذا الباب أيضا قوله عليه الصلاة والسلام (إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتُنكرون، فمن كَرِه فقد بريء، ومن أنكر فقد سَلِمَ، ولكن
(1) الحديث رواه البخاري (391)
(2) (فتح الباري) 1/ 497
(3) انظر (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري، 1/ 192 و 194
(4) رواه مسلم