فهرس الكتاب

الصفحة 697 من 1285

بمجرد الكلمة، بل كان من أظهر المعصية يُعاقب عليها [[1] . وإنما يُلزَم بالصلاة في وقتها ويُعاقب على تركها لأن إقراره بالشهادتين متضمن للالتزام بالأحكام، وهذا هو الفرق بين قول السلف الذين قالوا إن الإقرار هو إخبار عن تصديق القلب وإنشاء للإلتزام بالشريعة وبين قول المعاصرين الذين لايرون الإقرار متضمنا للالتزام بل يعتبرون تبيّن الالتزام شرطًا مستقلًا للحكم بالإسلام، والنصوص التي أشرنا إليها أعلاه وكلام ابن رجب يبين صحة قول السلف وخطأ قول المعاصرين، وقال ابن رجب أيضا]من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حكمًا، فإذا دخل في الإسلام بذلك أُلزِمَ ببقية خصال الإسلام [[2] . وفي بيان تضمُّن الإقرارالالتزام بالشريعة قال ابن تيمية رحمه الله]ومراده بالإقرار الالتزام لا التصديق كما قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران: 81 فالميثاق المأخوذ على أنهم يؤمنون به وينصرونه، وقد أمِروا بهذا، وليس هذا الإقرار تصديقًا فإن الله لم يخبرهم بخبر، بل أوجب عليهم إذا جاءهم ذلك الرسول أن يؤمنوا به وينصروه، فصدّقوا بهذا الإقرار والتزموه، فهذا هو إقرارهم - إلي أن قال - ولفظ الإقرار يتناول الالتزام والتصديق ولابد منهما [[3] .

• ومن شبهات من قالوا بالتوقف والتبيُّن: القول بأن الحال تغيَّر، والناس اليوم يقولون الشهادة ولايعرفون معناها، فلابد من اختبارهم في فهمهم لمعناها وماتدل عليه من النفي والاثبات، أي الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. وهذا الشرط لايدل عليه دليل شرعي بل يخالف ماكان عليه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة إذ لم يتوقفوا في اثبات الإسلام لمن أقر بالشهادتين حتى يختبروه في فهمه المعنى المراد بهما، وقال عليه الصلاة والسلام (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) [4] ، وقال عليه الصلاة والسلام (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) [5] . كما أن أصحاب هذا الشرط يُشكل عليهم حديث ذات أنواط، فالذين سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم ذات أنواط لم يعلموا أن هذا يناقض معنى الشهادتين. والصواب في هذا أن العلم بمعنى الشهادة كما في حديث عثمان بن عفان عند مُسلم والاخلاص فيها واليقين وغيرها من شروط صحة شهادة «لا إله إلا الله» المذكورة بكتب الاعتقاد، هذه شروط صحة الإسلام الحقيقي الذي ينفع صاحبه في الآخرة [6] ...

(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 258

(2) (جامع العلوم والحكم) ص 21

(3) (مجموع الفتاوى) 7/ 396 - 397، ومثله في 7/ 530 - 531

(4) الحديث رواه البخاري

(5) رواه مسلم

(6) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله [فهذا التعميم في جميع شروط لا إله إلا الله، فيه نظر. فالصواب أن من شروط لا إله إلا الله، ما هي شروط صحة للإسلام الحقيقي النافع في الآخرة وهي الشروط غير الظاهرة، التي لا يعلمها إلا الله.

ومن ذلك ما هو شرط لصحة الإسلام الحقيقي والحكمي أيضًا.

مثل شرط"الانقياد لحقوقها أو لما دلّت عليه ..".

كما قال تعالى: (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) التوبة: 5.

وفي الآية الأخرى: (فَإِن تَابُوا) أي من الشرك وأقروا بالتوحيد وشهدوا أن لا إله إلا الله: (وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) أي: انقادوا لحقوقها، (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) التوبة: 11.

فتأمل كيف علّق سبحانه عصمة الدم والمال والأخوة في الدين وذلك من الإسلام الحكمي، بالتوبة الظاهرة من الشرك، وبالتزام حقوق، شهادة التوحيد الظاهرة، من صلاة وزكاة. وكذلك في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله عز وجل) .

ولذلك قال الصديق رضي الله عنه لما احتج عليه عمر رضي الله عنه بحديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عَصَمَ مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابهم على الله عز وجل) .

فقال أبو بكر رضي الله عنه: (فوالله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقاتلتهم على منعها) رواه البخاري ومسلم.

فالمنافق مثلًا: يأتي بالشروط الظاهرة من حقوق لا إله إلا الله، فيعصم بذلك دمه في الدنيا ويعطى الإسلام الحكمي فيعامل معاملة المسلمين، أما في الآخرة فإنها لا تقبل منه لأنه لم يستكمل شروط الإسلام الحقيقي الأخرى، خصوصًا منها غير الظاهرة (كالصدق المنافي للكذب) و (المحبة لهذه الكلمة ولما دلّت عليه) وغير ذلك.

ثم استشهد المصنف بكلام الشيخ سليمان آل الشيخ ليثبت أن شروط لا إله إلا الله كلها للإسلام الحقيقي، فنقل قوله: (وأما قول الإنسان: لا إله إلا الله من غير معرفة لمعناها ولا عمل به، أو دعواه أنه من أهل التوحيد، وهو لا يعرف التوحيد بل ربما يخلص لغير الله في عبادته، من الدعاء والخوف والذبح والنذر والتوبة والإنابة وغير ذلك من أنواع العبادات فلا يكفي في التوحيد، بل لا يكون إلا مشركًا والحالة هذه) أهـ.

قال المصنف بعده: وتأمل قوله: (فلا يكفي في التوحيد .. - ولم يقل:"فلا يكفي للحكم بإسلامه"- فالحكم يثبت له بأي من علامات الإسلام) أهـ.

ومعلوم أن هناك فرق بين ثبوت الإسلام الحكمي ابتداء، واستمرار ذلك له، فالثبوت يكون بالإتيان بأي علامة من علامات الإسلام كما ذكر المصنف، أما استمرار حكم ذلك فيكون بالتزام حقوقه وعدم الإتيان بناقض، وكلام الشيخ سليمان لا يصلح للاستشهاد على مراد المصنف في أن جميع شروط لا إله إلا الله هي للإسلام الحقيقي.

فقد قال الشيخ: (بل لا يكون إلا مشركًا والحالة هذه) .

وقد ذكر الشيخ في كلامه العمل بلا إله إلا الله، وذكر عبادة غير الله ودعائه والنذر وأمور أخرى من شروط وحقوق أو نواقض لا إله إلا الله الظاهرة، التي تتعلق بالإسلام الحكمي في الدنيا] النكت اللوامع ص (30 - 32)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت