التوحيد، بل لايكون إلا مشركا والحالة هذه [[1] . وتأمل قوله (فلا يكفي في التوحيد ... ) ولم يقل (فلا يكفي للحكم بإسلامه) ، فالحكم يثبت له بأي ٍ من علامات الإسلام، أما على الحقيقة فإن أتى ببقية شروط صحة الشهادتين نفعته في الآخرة وإلا فلا، ولايجب علينا اختباره في الدنيا للتحقق من اتيانه بهذه الشروط بل يثبت له حكم الإسلام ثم يُحاسب على تقصيره فيه. وكثيرًا ما يدخل الخطأ على البعض من عدم التمييز بين الحكم بالإسلام في الظاهر الذي تجري عليه أحكام الدنيا من عصمة الدم والمال وصحة التناكح والتوارث، وبين الإسلام الحقيقي الذي تجري عليه أحكام الآخرة من الثواب والعقاب عند الله تعالى. قال ابن تيمية رحمه الله]فإن كثيرًا ممن تكلم في «مسائل الإيمان والكفر» - لتكفير أهل الأهواء - لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميّزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام [[2] ، وقال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله]ثم اعلم ياأخي أرشدنا الله وإياك أن التزام الدين الذي يكون به النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة وبه يفوز العبد بالجنة ويزحزح عن النار إنما هو ماكان على الحقيقة في كل ماذُكِرَ في حديث جبريل ومافي معناه من الآيات والأحاديث، ومالم يكن منه على الحقيقة ولم يظهر منه مايناقضه أجريت عليه أحكام المسلمين في الدنيا ووكِلَت سريرته إلى الله تعالى، قال الله تعالى (فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) التوبة: 5 وفي الآية الأخرى (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) التوبة: 11، وغيرها من الآيات [[3] . والحاصل أنه لاتوقف ولاتبين مع المسلم مستور الحال، ولايتوقف الحكم بإسلامه على تعلمه بعض مسائل الدين - بل يُحكم بإسلامه ثم يجب عليه تعلم الدين كما سبق في بيان فرض العين من العلم في الباب الثاني من هذا الكتاب - وليس هذا التعلم شرطًا للحكم بإسلامه. قال ابن حجر رحمه الله]قال الغزّالي: أسرفت طائفة فكفّروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرّروها فهو كافر، فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنَّة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين. وذكر نحوه أبو المظفر بن السمعاني وأطال في الردّ على قائله، ونقل عن أكثر أئمة الفتوى أنهم قالوا: لايجوز أن تكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها، لأن في ذلك من المشقّة أشد من المشقّة في تعلم الفروع الفقهية. - إلى أن قال ابن حجر - قال القرطبي: هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة وبما تواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلّم الأدلة [[4] .
• ومن شبهات الذين قالوا بالتوقف والتبيّن: أنه قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام التبيّن كما في حديث الجارية وكما في آية الممتحنة، وهذا حق ولكنه لايدل على العموم ولو كان هو القاعدة لأجراه النبي عليه الصلاة والسلام ثم الأئمة من بعده مع كل من يدخل في الإسلام. والصواب أن التبيّن في هذه الأحوال كان لأسباب معيَّنة وستأتي الإشارة
(1) (تيسير العزيز الحميد) ص 140، ط المكتب الإسلامي 1409هـ
(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 472
(3) (معارج القبول) 2/ 37
(4) (فتح الباري) 13/ 349 - 352