إليها في القسم التالي وهذا من التبين الشرعي، أما تبيّن حال المسلم مستور الحال فهذا تبيُّن بدعي.
• ومن شبهات الذين قالوا بالتوقف والتبيّن: اشتراط شروط معينة لأجل الحكم بالإسلام لشخص ٍ ما. مثل أن يكون في جماعة إسلامية ومبايعًا لأمير هذه الجماعة سواء كانت جماعة معينة أو مطلقة. وهذا قد يجب أحيانا كما ذكرته في كتابي (العمدة) ولكنه ليس شرطا لصحة الإسلام لاحكمًا ولا حقيقة ومن أدلة ذلك:
أن الرجل إذا أسلم بدار الحرب ولم يهاجر - إما لعجزه وإما لتمكنه من إقامة دينه بها - فهو مسلم رغم أنه ليس بجماعة ولا مبايعا لأمير. وقد وَصَف الله من كان هذا حاله بالإيمان - والمقصود الإيمان الحكمي - كما قال تعالى (فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ) النساء: 92، وقال تعالى (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ) الفتح: 25.
ومن أدلته وصف الباغي بالإيمان: وهو المسلم الخارج على جماعة المسلمين وإمامهم، فلم يبايعه أو بايعه فخرج عليه ونقض بيعته وشق عصا طاعته، فهو مع بَغْيه هذا مازال مسلمًا كما قال تعالى (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) الحجرات: 9، فسمّاه مؤمنًا مع البغي. وبهذا يتبين أن الجاهلية في قوله عليه الصلاة والسلام (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) [1]
أن المراد بها مات عاصيا، وليس كافرًا، إذ الباغي كذلك وهو مسلم، وقد بوّب البخاري لهذه المسألة في كتاب (الإيمان) من صحيحه في باب (المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك) وذكر فيه حديث أبي ذر مرفوعًا (إنك امرؤ فيك جاهلية) .
ومن أدلته حديث حذيفة بن اليمان قال (فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام) قال عليه الصلاة والسلام (فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك) [2] . فبيّن أن الإسلام يصح رغم غياب جماعة المسلمين - بالمعنى السياسي الشرعي - وغياب إمام المسلمين. ولم يقل له النبي عليه الصلاة والسلام إن الإسلام لايصح في هذه الحال. ولايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وقد أسلم كثير من الناس في حياة النبي عليه الصلاة والسلام ولم يروه ولم يبايعوه ولم يقيموا بدار الإسلام في المدينة، ومن هؤلاء من مات في حياته عليه الصلاة والسلام كالنجاشي ملك الحبشة رضي الله عنه، ومنهم من عاش بعد وفاته عليه الصلاة والسلام وهم التابعون المخضرمون، ولم يقدح هذا في إسلام أيٍ من الفريقين.
فهذا مايتعلق بالرد على بعض شبهات القائلين بالتوقف في الحكم بإسلام المسلم مستور الحال.
وقد رتب البعض على التوقف في شأن المسلم مستور الحال ترك الصلاة خلفه، وهذه بدعة أخرى، فقد قال ابن تيمية رحمه الله] وتجوز الصلاة خلف كل مسلم مستور باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين، فمن قال: لا أصلي جمعة أو جماعة إلا خلف من أعرف عقيدته في الباطن فهذا مبتدع مخالف للصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين
(1) رواه مسلم
(2) الحديث متفق عليه