الشهود عند القاضي، وفي الولايات العامة كالإمامة الكبرى والقضاء [1] . وطرق معرفة العدالة الباطنة هى كما قال ابن تيمية] ومعرفة أحوال الناس: تارة تكون بشهادات الناس، وتارة تكون بالجرح والتعديل وتارة تكون بالاختبار والامتحان [[2] .
فهذا القسم الثاني من الساكتين، ثم نتكلم في القسم الثالث وهو من لم يظهر منه شيء.
3 -من لم يظهر منه شيء يدل على إسلام أو كُفر.
فهذا يُسمَّى مجهول الحال، ولا يقال: (المسلم مجهول الحال) كما قلنا في القسم الثاني (المسلم مستور الحال) ، لأننا إذا قلنا (المسلم) فقد حكمنا له بالإسلام ولم يبق حاله مجهولًا.
وحكم مجهول الحال في هذه البلاد: هو التوقف في الحكم عليه ولايستصحب له أصل معين، ولايبحث عن حاله، إلا أن تدعو الحاجة إلى معرفة حكمه فيتبيَّن أمره، ولايُحكم عليه إلا بظاهر، وعند العجز التام عن اثبات الظاهر يُحكم له بحكم الدار مع اعتبار حال سكانها.
وباختصار يمكن القول بأن مجهول الحال في هذه البلاد: يُتوقف في الحكم عليه ويُتبين أمره عند الحاجة.
وهذا شرح موجز للعبارة الأولى:
أ - أما التوقف في الحكم عليه: فلأن الشارع رتب الحكم بالإسلام أو الكفر على أسباب ظاهرة، وهذا لم يظهر منه شيء فلا يثبت له حكم، وقد قال تعالى (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) الإسراء: 36.
ب - وأما أنه لا يُستصحب له أصل معين: فلأن الاستصحاب أضعف الأدلة ولايثبت به حُكم إلا عند العجز عن اثبات ظاهر يُحكم به، واثبات الظاهر بالنسبة لمجهول الحال الحيّ ممكن بالتبيُن والتحري فلا يُعمل باستصحاب الأصل. وتفصيل هذا الكلام: هو أن الأصل الذي يستصحب للمجهول في كلام الفقهاء هو حكم الدار مع اعتبار ديانة سكانها، فالمجهول في دار الإسلام يُحكم بإسلامه، ومع ذلك فإن اللقيط في قُرى أهل الذمة في دار الإسلام يُحكم بكفره لأنه منهم في الغالب، والمجهول في دار الكفر يُحكم بكفره، ومع ذلك فإن اللقيط في دار الكفر التي يقطنها بعض المسلمين محكوم بإسلامه في وجه ٍ تغليبا لحكم الإسلام. فالأصل المستصحب للمجهول هو حكم الدار مع اعتبار ديانة سكانها [3] . ومع ذلك فلم يقل أحد من العلماء بالعمل بهذا الاستصحاب إلا عند العجز التام عن اثبات علامة ظاهرة يُعمل بها، فلم يحكموا بهذا الاستصحاب إلا في اللقيط والميت المجهول الذي ليس عليه علامة، قال ابن قدامة رحمه الله] دار الإسلام يُحكم بإسلام لقيطها ويثبت للميت فيها إذا لم يعرف أصل دينه حكم الإسلام في الصلاة عليه ودفنه وتكفينه من الوقف الموقوف على أكفان موتى المسلمين [[4] . فهذه من الصور التي يُعجز فيها عن اثبات ظاهر فيُعمل بالأصل. ومثاله أيضا ماقاله ابن رجب الحنبلي رحمه الله]لو وجد في دار الإسلام ميت مجهول الدين: فإن لم
(1) وانظر في هذا (الأشباه والنظائر) للسيوطي، ص 612 - 616، وص 750، ط دار الكتاب العربي 1407هـ
(2) (مجموع الفتاوى) 15/ 330
(3) انظر (المغني مع الشرح الكبير) 6/ 375، و (أحكام أهل الذمة) لابن القيم، 2/ 518 - 519، ط دار العلم للملايين 1983
(4) (المغني مع الشرح الكبير) 12/ 215