قدامة في حكم اللقيط] وفي الموضع الذي حكمنا بإسلامه إنما يثبت ذلك ظاهرًا لا يقينًا لأنه يحتمل أن يكون وَلَدَ كافر ٍ، فلو أقام كافرٌ بيّنة أنه وَلَدَه وُلِدَ على فِراشه حكمنا له به [[1] .
والحاصل: أن مجهول الحال لا يستصحب في الحكم عليه أصل معين، وذلك لسببين:
أحدهما: أن استصحاب الأصل (حكم الدار مع اعتبار ديانة سكانها) لايُعمل به في اثبات إسلام أو كفر إلا عند العجز عن اثبات ظاهر يُحكم به - كما في اللقيط والميت المجهول - وفيما عدا هاتين الصورتين فإنه يمكن اثبات ظاهر لمجهول الحال الحيّ بتبيُّن أمره، فلا يعمل بالاستصحاب مع إمكان اثبات الظاهر كما ذكره ابن تيمية ونقل فيه الإجماع. وننبه هنا على أن العمل بالاستصحاب في الميت المجهول إنما يكون في الأمور التي لاتنازع فيها ولا ضرر فيها على أحد كالصلاة عليه ودفنه، أما إذا ترتب على اثبات دينه تنازع أو خصومة كالتنازع في ميراثه إذا اختلف الورثة في دِينه فلا يصح استصحاب الأصل ولابد من البحث عن البينات والشهود [2] . وهذا مما يبيّن لك ضَعْف الاستصحاب كدليل.
والسبب الثاني: أن الأصل الذي يستصحب حكمه في هذه الأحوال (وهو حكم الدار مع اعتبار ديانة سكانها) قد دخله اختلاط كبير جعل صفته غير منضبطة، وهذا بالإضافة إلى السبب السابق يجعلنا نؤكد أنه لايعمل بهذا الأصل إلا في حالة العجز التام عن اثبات ظاهر يُحكم به، وهذا في اللقيط والميت المجهول كما سبق بيانه، وأما الاختلاط الذي دخله فحكم الدار (التي يحكمها حكام كافرون بأحكام كافرة) أنها دار كفر وهذا هو حكم البلاد التي نتكلم عنها - وستأتي إشارة موجزة فيما بعد لأحكام الديار إن شاء الله - وأما سكانها فهم خليط من المسلمين وغير المسلمين، فهذه البلاد كانت من قبل دار إسلام يتميز فيها المسلم عن غير المسلم، إلا أنه ومع تطبيق القوانين الوضعية اختلط المسلم بغير المسلم بلا تميز لسببين:
أحدهما: عدم إلزام أهل الكتاب بالغيار الذي يُميِّزهم عن المسلمين - في الثياب والشَّعر والمراكب والأسماء والكنى - لإسقاط العمل بعقد الذمة بموجب الدساتير والقوانين الوضعية التي ساوت بين السكان في الحقوق والواجبات على أساس مبدأ المواطنة وألغت مبدأ الهوية الدينية. ولُبس الغيار مما يميز بين الناس في دار الإسلام كما قال ابن القيم رحمه الله] إن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمّنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يُعامَل الكافر معاملة المسلم، فَسُدَّت هذه الذريعة بإلزامهم التميز عن المسلمين [[3] .
والثاني: إقرار المرتدين على ماهم عليه بسبب عدم تجريم الردّة في القوانين الوضعية، أما في دار الإسلام فالأمر كما قال ابن قدامة]إن المرتد لايُقر على ردته في دار الإسلام [[4] . وقد سبق بيان معنى هذا الكلام في قاعدة التكفير وأن المرتد في دار الإسلام يُستتاب فإن تاب وعاد إلى الإسلام وإلا قتل، وبذلك لايبقى مرتد ردة ظاهرة في دار الإسلام. أما الآن فنحن نقطع بوجود كثير من المرتدين بهذه البلاد من تاركي الصلاة والساخرين بالدين وأهله ومن الذين يسبّون
(1) (المغني مع الشرح الكبير) 6/ 376
(2) انظر (المغني مع الشرح الكبير) 12/ 214 - 216
(3) (اعلام الموقعين) 3/ 157
(4) (المغني مع الشرح الكبير) 12/ 214