فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 1285

بالإسلام، وأخطأ في الاستدلال به فريقان: فريق استدل به على إطلاق التبين مع عموم الناس وأنه لايحكم لأحد بالإسلام إلا بعد امتحانه وهذا خطأ لأن التبين في الحديث كان لسبب، وفريق استدل به على أن الإيمان هو الإقرار - وهم فريق من المرجئة - لأن النبي عليه الصلاة والسلام حكم لها بالإيمان بإقرارها، والمقصود بالإيمان في الحديث الإيمان الحكمي المرادف للإسلام الحكمي لا الإيمان الحقيقي، قال ابن تيمية رحمه الله] الإيمان الذي عُلّقت به أحكام الدنيا هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي عليه الصلاة والسلام «اعتقها فإنها مؤمنة» أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حُكم المؤمنة، لم يُرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار [[1] ، وقد سبقت الإشارة إلى الفرق بين الإيمان الحكمي والإيمان الحقيقي عقب ذِكر مراتب الإيمان في التنبيه الهام المذكور في التعليق على العقيدة الطحاوية.

• اثبات إسلام الشهود عند القاضي: هذا من المواضع التي يجب فيها تبين دين مجهول الحال، لأن الإسلام شرط في صحة الشهادة - على تفصيل - وإذا فرَّط القاضي في هذا توجه اللوم إليه ووقع ضمان الخطأ عليه. قال ابن قدامة]قال القاضي: ولابد من معرفة إسلام الشاهد ويحصل ذلك بأحد أربعة أمور (أحدها) إخباره عن نفسه أنه مسلم أو اتيانه بكلمة الإسلام (الثاني) اعتراف المشهود عليه بإسلامه (الثالث) خبرة الحاكم (الرابع) بيِّنة تقوم به [[2] ، وفيه ذكر طرق تبيُّن دين مجهول الحال.

وفي الجملة فإن كل ما يشترط له معرفة الدين يجب فيه تبيّن دين مجهول الحال، كالنكاح والإجارة والشركة [3] ومصارف الزكاة والوقف الذي لايجوز صرفه إلا لمسلم، ومواضع وجوب الدية كأن تقتل رجلا خطأ بحادث سيارة أو غيره وهو مجهول لك، فيجب تبين دينه ودين أوليائه فإن ثبت أنه مسلم وجبت عليك الدية - على عاقلتك - لأوليائه المسلمين إلا أن يعفوا كما تجب عليك الكفارة، فإن كان أولياء القتيل المسلم كافرين فلا تجب الدية وإنما الكفارة فقط لقوله تعالى (فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) النساء: 92 [4] . فإن كان القتيل نصرانيًا أو مرتدًا أو زانيًا محصنًا فلا يجب عليك لا دية ولا كفارة لأنه مهدر الدم. وحيث وجبت الدية تجب وإن لم يحكم بها قاض ٍ كما هو الحال في كثير من البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية، والقاتل مسئول عنها أمام الله. وفي هذه الصورة لايكفي استصحاب الأصل للمقتول خطأ لما يترتب عليه من تنازع وحقوق بخلاف الميت المجهول الذي يستصحب له الأصل

(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 416

(2) (المغني مع الشرح الكبير) 11/ 419 باختصار

(3) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله [قلت: لا حاجة إلى تسوية الإجارة والشركة بالنكاح في وجوب تبيّن الدّين واشتراط معرفته، ولو قال باستحباب ذلك لكان أقرب، وذلك لجواز مؤاجرة ومشاركة المشركين، وقيده البعض بالضرورة.

وانظر في ذلك صحيح البخاري (كتاب الإجارة) (باب استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام وعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - يهود خيبر) وباب (هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب) وكتاب (الشركة) (باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة) .] النكت اللوامع ص (27)

(4) انظر (تفسير ابن كثير، 1/ 535) و (تفسير القرطبي، 5/ 324) و (المغني مع الشرح الكبير، 9/ 340)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت