في حكم الصلاة عليه ودفنه إذ لاضرر في ذلك على أحد [1] . فهذه الأمور ونحوها من المواضع التي يُحتاج فيها إلى تبيّن دين المجهول. وهذا هو التبيّن الشرعي (تبين دين مجهول الحال عند الحاجة إلى ذلك) في مقابل التبيّن البدعي الذي ذكرناه قبلًا (وهو التبيّن لاثبات الإسلام الحكمي للمسلم مستور الحال) .
ومن الأمور المتعلقة بمجهول الحال والتي ثار الجدل حولها هذه الأيام حكم الذبائح بهذه البلاد مع جهالة حال الذابح واحتمال كونه مرتدًا بسبب إقرار المرتدين على ردتهم بهذه البلاد المحكومة بالقوانين الوضعية. فهل يتوقف عن أكل الذبائح بهذه البلاد؟ وهل يجب على من يريد شراء اللحم أن يتبين حال الذابح وقد يكون الذابح غير البائع؟.
والجواب: أن الكلام في هذه المسألة مبني على تحريم ذبيحة المرتد، وهو الصواب، وذهب الشوكاني رحمه الله إلى أن ذبيحة الكافر مباحة إذا سَمَّى الله عليها وأنه لايوجد دليل يحرمها [2] . وهذا خطأ ودليل التحريم ماذكره الشيخ منصور البهوتي في قوله] ولاتباح ذكاة مرتد، وإن كانت ردته إلى دين أهل الكتاب، ولامجوسي ولاوثني ولازنديق وكذا الدروز والتيامنة والنصيرية بالشام لقوله تعالى (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) المائدة: 5 فمفهومه تحريم طعام غيرهم من الكفار [[3] . وعلى هذا فالذبائح بهذه البلاد ثلاثة أقسام:
• إذا عُلم أن الذي ذكاها مسلم مستور الحال أو كتابي (يهودي أو نصراني) فهذه حلال.
• وإذا عُلم أن الذي ذكاها كافر كمرتد أو وثني فهذه عين الحرام وهى كالميتة في التحريم.
• وإذا جُهل حال الذي ذكاها فهذا موضع السؤال: فإذا كان ذلك في دار الإسلام فقد أجمع العلماء على شراء اللحم الموجود بالأسواق دون سؤال عن حِلّه، ومع أن الأصل في اللحوم الحظر [4] إلا أن الظاهر أن المسلمين لايقرون بيع مالا يحل بأسواقهم وحالهم محمول على الصحة والسلامة فقُدِّم هذا الظاهر على الأصل ومن هنا أجمعوا على شراء اللحم بدار الإسلام دون سؤال عن حِلّه، حتى قال الشيخ منصور البهوتي في شرح الإقناع] ويحل مذبوحٌُ منبوذ، أي ملقى بموضع يحل ذبح أكثر أهله، ولو جُهلت تسمية الذابح، لأنه يتعذر الوقوف على كل ذبح ٍ وعملًا بالظاهر [[5] . وأما في البلاد التي نتكلم عنها، والتي يحتمل أن يكون بعض الذابحين فيها مرتدين، فالحِلّ والحرمة متوقفان على قوة الشبهة وضعفها: فإذا كثر المرتدون في موضع ٍ ما قويت الشبهة في اللحوم المجهولة وقدِّم الحظر فلا يشترى من هذا الموضع، وإذا قلَّ المرتدون في موضع ٍ ما ضعفت الشبهة في اللحوم المجهولة لأن ذبائح المرتدين وهى كالميتة اختلطت بمالا ينحصر من الذبائح المباحة فجاز الشراء. قال ابن تيمية رحمه الله]إذا اختلط الحرام بالحلال في عدد لاينحصر: كاختلاط أخته بأهل بلد، واختلاط الميتة والمغصوب بأهل بلدة، لم يوجب ذلك تحريم مافي البلد، كما إذا اختلطت
(1) (راجع المغني مع الشرح الكبير، 12/ 215 - 216، وفيه أن العمل بالأصل يكون فيما لاتنازع فيه)
(2) (السيل الجرار، 4/ 64)
-قال الشيخ أبو محمد حفظه الله [لي مبحث قديم نصرت فيه ما ذهب إليه الشوكاني دون اشتراط التسمية، والشوكاني ليس هو أول من قال بذلك بل له سلف ذكرتهم في مبحثي]
(3) (كشاف القناع) 6/ 205
(4) (جامع العلوم والحِكم لابن رجب ص 60، والمغني مع الشرح الكبير 4/ 308)
(5) (كشاف القناع) 6/ 212