الأخت بالأجنبية والمذكَّى بالميت، فهذا القدر المذكور لايوجب تحريم ذبائحهم المجهولة الحال [[1] ، وقال أيضا]والحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان:
أحدهما أن يكون محرمًا لعينه كالميتة والأخت من الرضاعة، فهذا إذا اشتبه بمالا يُحصر لم يحرم، مثل أن يعلم أن في البلدة الفلانية أختًا له من الرضاعة ولايعلم عينها، أو فيها من يبيع ميتة لايعلم عينها، فهذا لايحرم عليه النساء ولا اللحم. وأما إذا اشتبهت أخته بأجنبية أو المذكى بالميت حَرُمَا جميعا [[2] . وقوله]وأما إذا اشتبهت ... [يعني به إذا اشتبهت بعدد منحصر أي قليل فهنا تكون الشبهة قوية ويقدم التحريم. وهذه القاعدة (الإباحة إذا اختلط الحرام بعدد لاينحصر - كبير - من الحلال، والحظر إذا اختلط الحرام بعدد منحصر - قليل - من الحلال) قال بها معظم أهل العلم[3] .
فالواجب على المسلم بهذه البلاد: أن يتحرى شراء اللحم ممن يثق بدينه من الذابحين، فإن تعذر سأل من يشتري منه اللحم عن حال الذابح وديانته، فإن تعذر عمل بقاعدة اختلاط الحرام بما ينحصر ومالا ينحصر من الحلال. ولا يجزيء عن هذا التحري والتبيّن مجرد التسمية عند أكل اللحم، فإن حديث (سمّوا عليه أنتم وكلوه) قد ورد فيما إذا عُلمَ أن الذابح مسلم ولكن شُك في هل سَمَّى الله وقت الذبح أم لا؟، ولم يرد هذا الحديث في جهالة دين الذابح، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن قومًا قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: إن قومًا يأتوننا بلحم ٍ لاندري أذُكِرَ اسم الله عليه أم لا. فقال (سمّوا عليه أنتم وكلوه) ، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر [4] أي أن الذابحين كانوا حديثي الإسلام قريبي العهد بالكفر وربما يجهلون وجوب التسمية عند الذكاة [5] . هذا ولا ينبغي أن تكون مسألة الذبائح المجهولة والأكل منها محل خصومة ونزاع بين المسلمين، لأنها مسألة اجتهادية، فقد يرى شخص أن الشبهة قوية في موضع فلا يأكل من ذبائحه ويكون رأي الآخر بخلافه، ومادام الأمر محتملا، فلا انكار في المحتملات، وإنما يُنكر في شيء صريح واضح كمن يأكل من ذبيحة مرتد ظاهر الردة فهذا كأكل الميتة يُنكر عليه.
وقد كان هذا كله في شرح قولنا في حكم مجهول الحال إنه (لايُبحث عن حاله، إلا أن تدعو الحاجة إلي معرفة حكمه فيتبين أمره) .
د - ثم قلنا (ولايُحكم عليه إلا بظاهر، وعند العجز التام عن اثبات الظاهر يُحكم له بحكم الدار مع اعتبار حال سكانها) . هذا الكلام سبق شرحه وهو توكيد لما قلناه من أن الاستصحاب لايحكم به إلا عند العجز عن اثبات الظاهر كما في اللقيط والميت المجهول فيما لاتنازع فيه، وفيما عدا ذلك لايُحكم إلا بظاهر في اثبات دين المجهول فإن النبي عليه الصلاة والسلام حكم للجارية بالإقرار ولم يستصحب لها أصل معين، وكذلك القاضي في تبينه لإسلام الشهود لم يستصحب لهم أصلًا معينًا كما أسلفنا.
(1) (مجموع الفتاوى) 21/ 532
(2) (مجموع الفتاوى) 29/ 276
(3) انظر (المغني مع الشرح الكبير) 1/ 51، و (بدائع الفوائد) لابن القيم 3/ 258، (القواعد) لابن رجب الحنبلي ص 241، (الانصاف) لعلاء الدين المرداوي 1/ 78 - 79، (رسالة كشف الشبهات عن المشتبهات) للشوكاني ص 16 ضمن (الرسائل السلفية) له
(4) رواه البخاري (5507)
(5) وانظر (مجموع فتاوى ابن تيمية) 35/ 240