كفر، وأمِنَ المسلمون على أنفسهم بمكة مدة عهدهم مع النبي عليه الصلاة والسلام (من صلح الحديبية حتى فتح مكة) حتى أدوا عمرة القضاء خلالها ولم يمنع هذا الأمن من كون مكة ظلت دار كفر حتى فتحها، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام (لاهجرة بعد الفتح) . ولم يقل لاهجرة بعد الصلح، فبيَّن أن المناط الذي غيَّر حكم الدار هو الغلبة لا مجرد الأمن.
هذا ما يتعلق بتنقيح المناط ومعرفة مناط الحكم على الدار. ومنه تعلم أن البلاد التي أكثر أهلها من المسلمين ولكن يحكمها حكام مرتدون بأحكام الكفار بالقوانين الوضعية هي اليوم ديار كفر وإن كان أكثر أهلها مسلمين يمارسون شعائر دينهم كإقامة الجمع والجماعات وغيرها في أمان، فهي ديار كفر لأن الغلبة والأحكام فيها للكفار، أما اظهار المسلمين لشعائر دينهم فليس هذا راجعا إلى شوكة المسلمين ولكن لأنه مأذون فيه من الحاكم الكافر، ولو أراد أن يبدل أمنهم خوفًا وفتنة بشوكته وجنوده لفعل كما هو واقع في كثير من البلاد اليوم باسم محاربة الإرهاب والتطرف الديني.
(فائدة) الأقسام الفرعية لدار الكفر.
تنقسم دار الكفر إلى عدة أقسام بأكثر من اعتبار، والإسم الجامع لها هو دار الكفر أو دار الشرك. وأقسامها هي:
1 -من جهة كون الكفر فيها قديما أو طارئا، تنقسم إلى:
أ - دار الكفر الأصلي: وهي التي لم تكن دار إسلام في وقت من الأوقات مثل اليابان وشرق الصين وانجلترا وقارات أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية واستراليا.
ب - دار الكفر الطاريء: وهي التي كانت دار إسلام في وقت من الأوقات ثم استولى عليها الكفار الأصليون مثل الأندلس (إسبانيا والبرتغال) وفلسطين ودول شرق أوربا التي كانت تحت حكم الدولة العثمانية مثل رومانيا وبلغاريا ويوغوسلافيا واليونان وألبانيا.
ج - دار الردة: وهي فرع من دار الكفر الطاريء، وهي التي كانت دار إسلام في وقت ٍ ما ثم تغلّب عليها المرتدون وأجروا فيها أحكام الكفار، مثل الدول المسماة اليوم بالإسلامية ومنها الدول العربية. وقد مرت معظم هذه الدول بمرحلة كونها دار كفر طاريء عندما استولى عليها المستعمر الصليبي وفرض عليها القوانين الوضعية ثم رحل عنها وحكمها من بعده المرتدون من أهل هذه البلاد. وهناك بعض الفروق في الأحكام الفقهية بين دار الكفر ودار الردة [1] . وأنبه هنا على أنني كثيرًا ماأصف هذه البلاد في كتاباتي ببلاد المسلمين وذلك بالنظر إلى حال أغلب سكانها، ولايرادف هذا الوصفُ مصطلحَ (دار الإسلام) بل هي ديار كفر وردّة. وجهاد حكامها الكافرين فرض عين على أهلها المسلمين كما بيّناه في أكثر من موضع.
2 -ومن جهة علاقتها بدار الإسلام، تنقسم دار الكفر إلى:
أ - دار الحرب: وهي التي ليس بينها وبين دار الإسلام صلح أو هدنة، ولايشترط قيام الحرب فعليا لصحة هذه التسمية، بل يكفي عدم وجود صلح كما ذكرنا، بما يعني أنه يجوز للمسلمين قتال أهل هذه الديار وقتما شاءوا، ومن
(1) ذكرها الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) ص 57، ط الحلبي