والوجه الثاني: هو عدم استيفاء أصحاب كتاب (القول القاطع) أدلة المسألة محل البحث، فالذي يتكلم في مسألة ينبغي أن يستوفي أدلتها عامها وخاصها، مطلقها ومقيدها، وذلك أنه بالنسبة لأئمة المسلمين فإن جميع الأحاديث الآمرة بالصبر عليهم والناهية عن الخروج عليهم، كالحديثين اللذين استدل بهما أصحاب الشبهة وكأحاديث ابن عباس المتفق عليها (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر ... ) الحديث، هذه الأحاديث كلها مقيدة بحديث عبادة بن الصامت (وألا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان) [1] .
ولهذا فإن البخاري رحمه الله - في الباب الثاني بكتاب الفتن من صحيحه - لما ذكر أحاديث الصبر على الأئمة كأحاديث ابن عباس هذه أتبعها بحديث عبادة ابن الصامت، إشارة منه إلى مايقيد الصبر وعدم الخروج. وكذلك صنع مسلم رحمه الله في كتاب الإمارة من صحيحه. فالصبر وعدم الخروج على الأئمة مقيد بعدم وقوعهم في الكفر الصريح، فإذا كفروا فقد وجب الخروج عليهم. ولم يذكر أصحاب كتاب (القول القاطع) حديث عبادة بن الصامت المقيد لما عداه في نفس المسألة وهذا من التقصير في البحث. وبدلا من ذلك شرعوا في التكلّف بحمل قوله عليه الصلاة والسلام (ماأقاموا فيكم الصلاة) على أن المراد إقامة الدين، وهذا التأويل غير صحيح لأن إقامة الصلاة أخص من إقامة الدين وإقامة الدين أعم من إقامة الصلاة، ومن الناحية الأصولية فإنه يجوز أن يراد بالعام الخصوص، ولكن الخاص (كإقامة الصلاة) لايراد به العام
(كإقامة الدين) . والذي نقلوه عن النووي لايفيد ذلك بل ذكر النووي رحمه الله] أنه لايجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم أو الفسق مالم يغيروا شيئًا من قواعد الدين [[2] .
فلم يقل النووي إن إقامة الصلاة إشارة إلى إقامة الدين، بل قال]مالم يغيروا شيئا من قواعد الدين [يشير بذلك لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. أما الذي نقلوا عنه أن إقامة الصلاة إشارة إلى إقامة الدين كله فهو الدكتور علي جريشة، وليس هذا من كلام أهل العلم، لمخالفته لقواعد الأصول.
وهناك حديث صريح في تقييد طاعة الأئمة بإقامة الدين كان ينبغي ذكره لأن دلالة النص أقوى من دلالة الإشارة المذكورة مع مافيها من تكلّف، والحديث هو مارواه البخاري بسنده عن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال (إن هذا الأمر في قريش لايعاديهم أحدٌُ إلا كَبَّه الله في النار على وجهه، ماأقاموا الدين) [3] . وتقييد هذا كله بحديث عبادة بن الصامت (إلا أن تروا كفرًا بواحًا) هو الأوْلى والصواب.
واعلم أنه لامنافاة بين قوله عليه الصلاة والسلام (إلا أن تروا كفرًا بواحًا) وبين قوله (لا ماصلّوا) . ففي الأول نهى عن منابذة الأئمة وقتالهم إلا إذا كفروا، وفي الثاني نهي عن ذلك إلا إذا تركوا الصلاة، ولاتعارض فإن ترك الصلاة كفر بإجماع الصحابة كما سبق بيانه، فتركها سبب من أسباب الكفر، والنص على هذا السبب مع عموم قوله (كفرًا بواحًا) هو من باب النص على الخاص بعد العام لأهميته وللتنبيه عليه، كما في قوله تعالى (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ
(1) الحديث متفق عليه
(2) (صحيح مسلم بشرح النووي) 12/ 243
(3) (حديث 7139)