فهرس الكتاب

الصفحة 745 من 1285

وهذه جرأة على مخالفة جمهور أهل العلم بغير دليل، فلو أن له دليلا صحيحًا لساغت المخالفة، ولكن قوله هذا مجرد استحسان، وقد قال الشافعي رحمه الله] من استحسن فقد شرَّع[.

وكلامه هذا في أحكام الديار كلام فاسد فقد ذكرت في الموضوع السابق الخاص بأحكام الديار قول ابن تيمية إن صفة الدار ليست من الصفات اللازمة المؤبدة، بل حكم الدار يتغير بحسب تغيّر مناط الحكم، كما يتغير حال الشخص من الكفر إلى الإسلام وعكسه.

وذكرت هناك أن القول بأن ماكان دار إسلام لايصير دار كفر أبدا هو قول ابن حجر المكي الهيتمي، وكان ينبغي أن يُنسب الكلام لأول من قال به كما جرى على هذا عمل أهل العلم، وذكرت هناك بعضًا من لوازم هذا القول، وقلت إن فساد هذا القول وفساد لوازمه يُغني عن إفساده. فراجع ماذكرته في ذلك في موضوع أحكام الديار. وليس ماذكروه من أسباب كون الجهاد فرض عين، حتى تُخترع مناطات جديدة لأحكام الديار، ففرض العين من الجهاد له ثلاثة أسباب معروفة في كتب الفقه، ليس منها كون بلد ما كان دار إسلام حكمه المسلمون يومًا ما [1] .

ثانيا: التقييم الإجمالي لكتاب (القول القاطع) .

والخلاصة: أن كتاب (القول القاطع فيمن امتنع عن الشرائع) غير قاطع في موضوعه، لما اشتمل عليه من مخالفات عقائدية وأخطاء فقهية وتقصير في البحث.

أما المخالفات العقائدية: فتمثلت في تبني أصحاب الكتاب لقول غلاة المرجئة في تعميم اشتراط الجحد كشرط مستقل للتكفير، وهذا القول مخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وهذا القول شرٌ من قول مرجئة الفقهاء والأشاعرة والجهمية فقد اتفق جميعهم مع أهل السنة على أن من قال أو فعل ما دل الدليل على أنه كُفر فهو كافر دون قيد أو شرط، واتفق مرجئة الفقهاء والأشاعرة مع أهل السنة على أنه كافر ظاهرًا وباطنًا وإن اختلفوا في تفسير كفره على النحو الذي ذكرته من قبل، وأما الجهمية فلهم قولان قول مثل قول مرجئة الفقهاء والأشاعرة في أنه كافر ظاهرًا وباطنًا مع اتفاقهم معهم في تفسير كفره، وقول آخر أنه كافر ظاهرًا في أحكام الدنيا ويحتمل أن يكون مؤمنا في الباطن ولأجل توقفهم في تكفيره باطنا أكفرهم السلف. فكيف بمن يتوقف في تكفيره ظاهرًا وباطنا ويقول لايكفر لاظاهرًا ولا باطنًا إلا أن يجحد؟، وقد علمت من قبل حكم من قال بهذا، كما سبق تفصيل القول في هذا الموضوع في تعليقي على العقيدة الطحاوية، في التعليق على قول الطحاوي رحمه الله] ولايخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه [وفي التنبيه الهام المذكور عقب ذلك.

وأما الأخطاء الفقهية الواردة بكتاب (القول القاطع) ، فتمثلت في مخالفة إجماع الصحابة رضي الله عنهم في مواضع منها: اشتراط تبين شروط التكفير وموانعه في الممتنعين، والتفريق بين رءوس الطائفة الممتنعة وأتباعهم في الأحكام، وتبني قول شاذ مخالف لإجماع الصحابة في حكم مانعي الزكاة.

(1) انظر في أسباب تعيّن وجوب الجهاد على سبيل المثال في (المغني مع الشرح الكبير) 10/ 366

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت