وقال الشيخ سليمان بن سحمان النجدي:] الطاغوت ثلاثة أنواع: طاغوت حكم وطاغوت عبادة وطاغوت طاعة ومتابعة [[1] .
وألخص ما سبق فأقول: إن أجمع قول في معنى الطاغوت: هو قول من قال: إن الطاغوت هو كل مايُعبد من دون الله - وهذا قول الإمام مالك - وقول من قال: إن الطاغوت هو الشيطان - وهو قول جمهور الصحابة والتابعين. وماعدا هذين القولين ففروع منهما. وهذان القولان يرجعان إلى أصل واحد له ظاهر وحقيقة، فمن نظر إلى الظاهر قال الطاغوت: كل مايُعبد من دون الله، ومن نظر إلى الحقيقة قال الطاغوت: الشيطان، وذلك لأن الشيطان هو الداعي إلى عبادة مايُعبد من دون الله كما أنه الداعي إلى كل كُفرٍ، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا) مريم: 83، فكل من كَفَر، وكل من عَبَد غير الله، فبتزيين الشيطان، وكل من عَبَد غير الله فهو إنما يعبد الشيطان على الحقيقة كما قال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) يس: 60، وقال تعالى - عن إبراهيم عليه السلام - (يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) مريم: 44، مع أن أباه كان يعبد الأصنام كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً) الأنعام: 74. فالشيطان هو الطاغوت الأكبر، فكل من عَبَد صنمًا من حجر ٍ أو شجر ٍ أو بشر ٍ فهو إنما يعبد الشيطان، وكل من تحاكم إلى بشر ٍ أو قانون أو دستور من دون الله فهو إنما يتحاكم إلى الشيطان وهذا هو معنى تحاكمه إلى الطاغوت.
فمن أَجْمل بحسب الظاهر قال الطاغوت: كل مايُعبد من دون الله، ومن أجمل بحسب الحقيقة قال الطاغوت: الشيطان، كما نقلته آنفا.
ومن فصَّل بحسب الظاهر قال كل معبود أو متبوع أو مُطاع أو مُتَحاكَم إليه من دون الله، وهو قول ابن القيم، وقريب منه قول سليمان بن سحمان. وكل هذا يرجع إلى معنى العبادة، فالاتباع والطاعة والتحاكم كلها عبادات ينبغي ألا تصرف إلا لله تعالى كما قال تعالى (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء) الأعراف:3. فهذا في الاتباع، وقال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) آل عمران:32. وهذا في الطاعة، وقال تعالى (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) الكهف: 26، وهذا في التحاكم. فإفراد الله تعالى بالاتباع والطاعة والتحاكم كل هذا داخل في إفراده بالعبادة - الذي هو توحيد الألوهية - تماما كإفراده بالصلاة والدعاء والنّسك، فهذه كلها عبادات، وقد قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) الأنبياء: 25، فالعبادة اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
فالقول الجامع في معنى الطاغوت بحسب الظاهر أنه كل مايُعبد من دون الله، وأما على التفصيل فقد ورد في الكتاب والسنة النص على نوعين من الطواغيت: طاغوت العبادة وطاغوت الحكم.
أ - فطاغوت العبادة، ورد في قوله تعالى (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا) الزمر: 17، وهو كل ماعُبِدَ من دون
(1) (الدرر السنية، 8/ 272)