فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 1285

3 -المقدمة الثالثة: كيفية الاجتهاد في النوازل.

ذكرت شروط المجتهد عند الكلام في شروط المفتي في الباب الخامس من هذا الكتاب، وهنا نذكر كيفية الاجتهاد في النوازل.

فإذا نزلت نازلة بالمسلمين أو بأحدهم وأراد مَنْ هو أهل للاجتهاد أن يجتهد لمعرفة حكمها الشرعي، فإن أول مايجب عليه أن ينظر هل هي من المسائل المجمع على حكمها أم هي محل خلاف بين العلماء؟ وذلك حتى لايفتي فيها بخلاف الإجماع فيَضِل باتباعه غير سبيل المؤمنين [1] . ولايجوز أن يعمد إلى دليل من الكتاب أو السنة ليستدل به في المسألة دون النظر في أقوال العلماء فيها، فقد يفهم من الدليل غير مايدل عليه، وقد يضع الدليل في غير موضعه فيكون من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وسوف ترى في نقدنا لكتاب (الرسالة الليمانية في الموالاة) أن مؤلفها عمد إلى الاستدلال

(1) (قال الشيخ أبو محمد حفظه الله[احتج المصنف هنا بقول الغزالي الذي نقله من المستصفى كما سيأتي:(فينظر أول شيء في الإجماع فإن وجد في المسألة إجماعًا ترك النظر في الكتاب والسنة، فإنهما يقبلان النسخ، والإجماع لا يقبله، فالإجماع على خلاف ما في الكتاب والسنة، دليل قاطع على النسخ، ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواتر ... الخ) .

فلو قال أن مثل هذا يختاره لمن لم يتمكن مِنْ أدوات الاجتهاد ويخشى عليه الغلط في الاستدلال، لربما كان له وجه، على أن يكون متابعًا لمن كتبوا وجمعوا في مراتب الإجماع ومواضعه، ولكنه قال: (من هو أهل للاجتهاد) .

ومن هو أهل للاجتهاد، يعلم ما في الإجماع من خلاف، خصوصًا بعد تفرّق الصحابة في الأمصار، وما يدّعيه كثير من الناس من إجماعات لا تصح ولا مستند شرعي لها، يعرف إكثارهم من استعمال الإجماع السكوتي الذي فيه الخلاف المعروف.

والأولى فيمن عرف ذلك أن يقدّم النظر في الكتاب والسنة، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (19/ 200) : (وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين كما أنّ لهم معرفة بأمور من السنة، وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين، فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل وعاينوا الرسول، وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك، فطلبوا الحكم مما اعتقدوه من إجماع أو قياس ... ) .

إلى قوله: (وقد قال الإمام أحمد رضي الله عنه: إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة، أو في نظيرها.، إلى قوله: والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم ولا يحتاجون إليه، إذ هم أهل الإجماع، فلا إجماع قبلهم، لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح: إقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم تجد فبما به قضى الصالحون قبلك، وفي رواية: فبما أجمع عليه الناس، وعمر قدّم الكتاب ثم السنة ثم الإجماع، وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر لقوله: (اقتدوا باللذَين من بعدي أبي بكر وعمر"وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس، وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء، وهذا هو الصواب، ولكن طائفة من المتأخرين قالوا: يبدأ المجتهد بأن ينظر أولًا في الإجماع، فإنْ وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصًا فخالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم: الإجماع نَسَخَه، والصواب طريقة السلف. وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص، فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذلك منسوخ، فأما أن يكون النص المحكم(أي الذي نسخ النص المخالف للإجماع) قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ (أي المخالف للإجماع) فهذا لا يوجد قط، وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك، ومعرفة الإجماع قد تتعذر كثيرًا أو غالبًا، فَمَن ذا الذي يحيط بأقوال المجتهدين؟ بخلاف النصوص فإن معرفتها ممكنة متيسرة) أهـ. (19/ص202) ]النكت اللوامع ص (32 - 43) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت