بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عموما. وحجتهم قوله تعالى (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا) النساء:115، وقوله عليه الصلاة والسلام «من خالف الجماعة قيد شِبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» ، وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع [[1] .
والخلاصة: أن الحكم بكفر أنصار الطواغيت الممتنعين على التعيين قد ثبت بإجماع الصحابة إجماعا قطعيا ليس فيه منازع، ومثل هذا الإجماع يكفر مخالفُهُ، فمن خالف في هذا الحكم فقد كَفَر واتبع غير سبيل المؤمنين وفارق جماعتهم.
وقال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه]سَنَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام وولاة الأمور من بعده سُننًا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستعمال لطاعة الله ومعونة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا النظر في رأي من خالفها، فمن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاّه الله ماتولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا [[2] .
(فائدة) الإجماع حجة ولو لم يُعلم دليل المجتمعين من الكتاب أوالسنة، فمجرد إجماعهم على حكم ٍما هو حجة في ذاته، فإذا عُلِمَ النصّ في المسألة فهو دليل آخر، كما قال ابن تيمية]وحينئذ ٍ فالإجماع مع النص دليلان كالكتاب والسنة [[3] ، وإذا لم يُعلم النص فلا يجب البحث عنه إذ إن الإجماع الصحيح حجة في ذاته، قال الشوكاني]قال الأستاذ أبو إسحاق: لايجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع به، فإن ظهر له ذلك أو نُقِل إليه كان أحد أدلة المسألة. قال أبو الحسن السهيلي: إذا أجمعوا على حكم ولم يُعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو قياس أو غيره فإنه يجب المصير إليه لأنهم لايُجمِعون إلا عن دلالة ولايجب معرفتها [[4] .
ومع ذلك فإنه إذا ثبت الإجماع على حكم ٍ فلابد أن يكون له دليل من الكتاب أو السنة، كما قال ابن تيمية رحمه الله]مامن حكم اجتمعت الأمة عليه إلا وقد دلّ عليه النص، فالإجماع دليل على نصّ ٍ موجود عند الأئمة، ليس مما دَرَس علمه [[5] . وقد استدل شيخ الإسلام لقوله هذا بالآية (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ... ) النساء: 115 [6] . ومصداقًا لقول ابن تيمية هذا فنحن نثبت فيما يلي الأدلة النصية من الكتاب والسنة على نفس الحكم الذي أثبتناه آنفا بإجماع الصحابة، وهذا الترتيب يتفق مع كيفية الاجتهاد التي نقلناها قبلًا عن أبي حامد الغزالي رحمه الله.
2 -الدليل الثاني: من كتاب الله تعالى، قوله عزوجل (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) النساء: 76.
(1) (الشفا) ج 2 ص 1079، ط الحلبي بتحقيق البجاوي
(2) رواه اللالكائي بإسناده عنه في (شرح اعتقاد أهل السنة) ط دار طيبة، 1/ 94. ورواه الآجري في (الشريعة) ط أنصار السنة، ص 48
(3) (مجموع الفتاوى) 19/ 270
(4) (ارشاد الفحول) ص 76
(5) (منهاج السنة) 8/ 344
(6) كما نقلناه عنه آنفا من (مجموع الفتاوى) 7/ 38 - 39