فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 1285

والموالاة المحرمة شرعًا هي صرف المسلم شيئا من هذه الخصال إلى الكافرين، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) الممتحنة: 1. فإن الله تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يعادوا الكفار ويبغضوهم ويقاتلوهم مااستطاعوا كما قال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) الممتحنة:4، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) التوبة: 73 التحريم: 9. فمن قام بخلاف هذا فأطاع الكافرين أو أحبهم أو نصرهم فقد تولاّهم، ومن تولاهم فقد كفر لقوله تعالى - في الآيات موضع الاستدلال - (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة: 51، ويتأكد كفره إذا ما أطاع الكافرين أو نصرهم فيما يضر الإسلام والمسلمين كما يفعله أنصار الحكام المرتدين لأن هذه مشايعة لهم فيما هم عليه من الكفر وإعانة على ظهور الكفر على الإسلام، وسيأتي بيان هذا فيما يلي من أقوال العلماء إن شاء الله.

وبعد هذا التمهيد في بيان معنى الموالاة نعود للحديث عن الآيات المستدل بها، فنقول:

اختُلِفَ في سبب نزول هذه الآيات ولم يصح في ذلك خبرٌ تقوم بمثله حجة كما قال ابن جرير الطبري رحمه الله] فإن كان ذلك كذلك فالصواب أن يُحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ماعَمَّ - إلى قوله - غير أنه لاشك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهود أو نصارى خوفًا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية التي بعد هذه تدل على ذلك، وذلك قوله (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ... ) المائدة:52 [، وبيَّن ابن جرير العموم الذي تدل عليه الآية بقوله] والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارًا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أنه من اتخذهم نصيرًا وحليفا ووليًا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزّب على الله وعلى رسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان - إلى أن قال - يعني تعالى ذكره بقوله (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ومن يتول اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين، فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لايتولى متولّ ٍ أحدًا إلا وهو به وبدينه وماهو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ماخالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه [[1] .

وقال القرطبي رحمه الله]قوله تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ) أي يعضدهم على المسلمين (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) بيّن تعالى أن حُكمه كحكمهم، وهو يمنع اثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاّهم ابن أُبَيّ، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة، وقد قال تعالى (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) هود: 113، وقال تعالى (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران: 28، وقال تعالى (لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ) آل

(1) (تفسير الطبري) 6/ 276 - 277

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت