فهرس الكتاب

الصفحة 769 من 1285

الله في شيء، يعني بذلك فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر [[1] .

(فائدة) في وجوب رَدّ المتشابه إلى المحكم.

قال تعالى (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ) آل عمران: 7، قال ابن كثير في تفسيرها]يُخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هُنَّ أم الكتاب: أي بَيِّنات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رَدّ ما اشتبه إلى الواضح منه وحَكَّم مُحْكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عَكَس انعكس [[2] . والمحكم واضح الدلالة في مسألة حكم من تولى الكافرين هو قوله تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة: 51، فهذا نص صريح في كفره، فيجب رَدّ المتشابه في نفس المسألة إلى هذا النص المحكم، والمتشابه خفي الدلالة هنا: النصوص الدالة على نفي الإيمان عمن يتولى الكافرين، فإن نفي الإيمان يحتمل نفي أصله فيكون فاعله كافرًا، ويحتمل نفي كماله الواجب فيكون فاعله فاسقا، وقد نقلت هذا من قبل عن ابن تيمية [3] . ويتم تعيين المراد من نفي الإيمان بالقرائن ومنها رَدّ المتشابه إلى المحكم في موضوعه. وعليه فإن كل نص ورد فيه نفي الإيمان عمن تولى الكافرين فالمراد نفي أصله أي أنه كافر بدلالة النص المحكم في نفس المسألة (فإنه منهم) ومن النصوص المشتملة على نفي الإيمان في موضوع الموالاة قوله تعالى (تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) - إلى قوله - (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء) المائدة:80 - 81، وقوله تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) المجادلة: 22، ونحوها من الآيات.

ج - وقد أفادت آيات سورة المائدة موضع الاستدلال أن هذا الحكم بالكفر عام، يجري على كل مسلم تولى الكافرين، وذلك لأن الآية المشتملة على هذا الحكم هي من صيغ العموم، لأنها مُصدَّرة ب (مَنْ) الشرطية، قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، وقال ابن تيمية رحمه الله] ولفظ «مَنْ» أبلغ صيغ العموم، لاسيما إذا كانت شرطًا أو استفهامًا [[4] .

وبهذا تعلم أن هذا الحكم جار ٍ على أنصار الحاكم المرتد، الذين ينصرونه بالقول والفعل فهذه موالاة للكافرين بلا ريب، وأنهم داخلون في هذا النص العام، فهم كفار لا محالة.

(شبهة) فإن قيل لِمَ لَمْ يُجرِ النبي عليه الصلاة والسلام أحكام المرتدين على الذين نزلت فيهم هذه الآيات التي نصت على كفرهم (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ؟. فالجواب: أنه وكما قال ابن جرير الطبري لم يصح خبرٌُ في سبب نزول هذه الآيات، فلم يصح أنها نزلت في أناس بأعينهم، ومع ذلك فقد اتفق المفسرون على أنها في قوم من المنافقين

(1) (تفسير الطبري) 6/ 313

(2) (تفسير ابن كثير) 1/ 344

(3) انظر (مجموع الفتاوى) 7/ 14 - 15 و 37 - 42 و 337

(4) (مجموع الفتاوى) ج 15/ 82، وله مثله في ج 24/ 346

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت