فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 1285

أنك كنت علينا [[1] .

وقد دلّ الحديث على أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أجرى أحكام الكفار في أخذ الفداء من الأسرى على العباس واعتبره كافرًا عينًا في الحكم الظاهر، لما خرج في صفوف الكفار لقتال المسلمين، ولم يعتبر دعواه الإكراه مانعة من إجراء حكم الكفار عليه.

وهذا الحديث ومادلّ عليه من حكم هو نصٌُّ في محل النزاع ودليل لقولنا إن أنصار الحكام المرتدين كفار على التعيين في الحكم الظاهر، وقد نقلنا إجماع الصحابة على هذا الحكم في الدليل الأول.

واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية بحديث العباس هذا على الحكم بكفر كل من خرج إلى القتال مع الكفار ولو كان مؤمنا مُكرهًا في الحقيقة، فقال]وقد يقاتلون وفيهم مؤمن يكتم إيمانه يشهد القتال معهم ولايمكنه الهجرة، وهو مُكره على القتال، ويبعث يوم القيامة على نيته، كما في الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال «يغزو جيشٌُ هذا البيت، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خُسِفَ بهم، فقيل: يارسول الله، وفيهم المكره، قال: يبعثون على نياتهم» ، وهذا في ظاهر الأمر وإن قُتِل وحُكِمَ عليه بما يُحكم على الكفار فالله يبعثه على نيته، كما أن المنافقين منا يُحكم لهم في الظاهر بحكم الإسلام ويُبعثون على نياتهم. والجزاء يوم القيامة على مافي القلوب لا على مجرد الظواهر، ولهذا رُوِيَ أن العباس قال: يارسول الله كنتُ مكرهًا، قال «أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فإلى الله» [[2] .

وتعقيبًا على قول شيخ الإسلام (وهو مُكره على القتال) ، ينبغي التنبيه على أن الإكراه - وإن كان متصور الوقوع - إلا أنه لايُسَوِّغ قتل المسلمين أو قتالهم، فقد قال ابن تيمية رحمه الله - عن المكرَه على القتال في صف الكفار -]فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكرِه على الحضور أن لايُقاتِل وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتِل المسلمين، وكما لو أكره رجلٌُ رجلًا على قتْل مسلم معصوم، فإنه لايجوز له قتله باتفاق المسلمين وإن أكرهه بالقتل، فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس [[3] . وقال القرطبي رحمه الله]أجمع العلماء على أن من أكرِه على قتل غيره أنه لايجوز له الإقدام على قتله ولا انتهاك حرمته بجَلْد ٍ أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولايحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة [[4] .

فالخلاصة: أن كل من قاتل في صف الكفار أو نصرهم بالقول والفعل - لأن هذه النصرة قتال حكمًا - فهو محكوم بكفره على التعيين، وهذا هو حكم أنصار الحكام المرتدين.

وقال ابن حزم رحمه الله]ولو أن كافرًا مجاهدا غلَب على دار من دور الإسلام وأقرَّ المسلمين بها على حالهم إلا أنه هو المالك لها المنفرد بنفسه في ضبطها وهو معلن بدين غير الإسلام لكَفَر بالبقاء معه كل من عاونه وأقام معه وإن ادعى

(1) . (فتح الباري) 7/ 322. والحديث الأول الذي ذكره ابن حجر أصله عند أحمد من حديث علي بن أبي طالب (المسند) 1/ 89، والحديث الآخر رواه أحمد من طريق ابن إسحاق به (المسند) 1/ 353. ط المكتب الإسلامي 1398 هـ

(2) (مجموع الفتاوى) 19/ 224 - 225، وله مثله في (منهاج السنة) 5/ 121 - 122، تحقيق د. محمد رشاد سالم

(3) (مجموع الفتاوى) 28/ 539

(4) (تفسير القرطبي) 10/ 183

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت