فهرس الكتاب

الصفحة 801 من 1285

وحاصل هذا أن من نَصَر الكفار فإنه منهم أي هو كافر. فإن قيل: إن هذا مقيد باشتراط أن تقترن نصرته للكفار بمحبته لهم ورضاه بكفرهم - كما يقوله مؤلف (الرسالة الليمانية) -، فالجواب: أنه قد ثبت بالنص السابق أن الذين قضى الله بكفرهم لم تقترن موالاتهم للكفار بالرضا والمحبة وإنما تولوهم خوفًا على أنفسهم (نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) ، والخوف والخشية من أعمال القلب ولايدخلان في مسمى الموالاة لا لغة ً ولا اصطلاحًا، وإنما حمل هذا الخوف صاحبه على أن يتولى الكفار في الظاهر فكفر بموالاته هذه كما قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) . وبهذا يثبت فساد الشرط الذي وضعه مؤلف (الرسالة الليمانية) من اشتراط الموالاة القلبية بالمحبة والرضا للتكفير بالموالاة الظاهرة. قال ابن تيمية رحمه الله] والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ٍ ممن كان يُظهر الإسلام وفي قلبه مرض، خاف أن يُغلب أهلُ الإسلام، فيوالي الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم، لا لاعتقادهم أن محمدًا كاذب واليهود والنصارى صادقون [[1] .

ولهذا احتج العلماء بهذه الآية على كُفر من نَصَر الكفار، خاصة إذا نصرهم على المسلمين، كما نقلنا عن القرطبي قوله]قوله تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ) أي يعضدهم على المسلمين (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) بيَّن تعالى أن حكمه كحكمهم [[2] . واحتج بها ابن تيمية على ذلك فقال (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ) فيوافقهم ويعينهم (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) [[3] . وعَدَّ محمد بن عبدالوهاب مظاهرة الكفار ومعاونتهم على المسلمين من نواقض الإسلام محتجًا بهذه الآىة كما نقلناه عنه. ولم يقيد أحد من العلماء التكفير هنا باشتراط الموالاة القلبية بل الموالاة الظاهرة وحدها مُكفِّرة وهذا ظاهر النص، غاية ماذكره الطبري - فيما نقلناه عنه من قبل -]أنه لايتولاهم إلا وهو راض ٍ بدينهم [[4] . وهذا التعليل قاله من عند نفسه، وهو مصادم للنص الذي أثبت أن من نزلت فيهم الآيات كان باعثهم على موالاة الكفار الخوف من دوائر الدهر لا الرضا بما عليه الكفار، وقول الطبري هنا يشبه قول مرجئة الفقهاء والمتكلمين: إن من أتى عملا من أعمال الكفر فهو علامة على أنه مكذب بقلبه، فقال الطبري من تولى الكفار فلابد أن يكون راضيا بدينهم، وِكلاَ القولين فاسد تردّه النصوص.

ومما يؤكد أن الموالاة الظاهرة مكفرة بذاتها دون اعتبار للموالاة القلبية: إجراء النبي عليه الصلاة والسلام حكم الكفار على عمه العباس بمناصرته الكفار على المسلمين وخروجه معهم في غزوة بدر، وألزمه بأن يفتدي نفسه كأسير بمجرد فعله الظاهر هذا ولم يقل له النبي عليه الصلاة والسلام هل خرجت مع المشركين حبًا لهم؟ أو هل أنت راض ٍ بدينهم مصوِّبًا له ولهم؟ لم يثبت شيء من هذا مما يبين لك أنها فروع فاسدة أحدثها المتأخرون ولم تنقل عن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، بل ادعى العباس الإسلام والإكراه ولم يُقبل منه إذ كان ظاهره بخلاف ذلك. والحاصل أن الموالاة الظاهرة بالنصرة ومظاهرة الكفار على المسلمين - كما يفعله جنود الحكام المرتدين وأنصارهم - مُكفرة بذاتها دون

(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 193 - 194

(2) (تفسير القرطبي) 6/ 217

(3) (مجموع الفتاوى) 25/ 326

(4) (تفسير الطبري) 6/ 277

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت