فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 1285

اعتبار لوجود الموالاة القلبية من عدمه. وهذا كله في بيان فساد الشرط الذي وضعه مؤلف (الرسالة الليمانية) من أنه لاتكفير بالموالاة الظاهرة إلا أن تقارنها موالاة قلبية.

أما إن قوله هذا هو قول غلاة المرجئة، فقد سبق في تعليقي على العقيدة الطحاوية تعقيبًا على قول الطحاوي رحمه الله] ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ماأدخله فيه [أن بيَّنت مذاهب الفرق في التكفير بالذنوب المكفِّرة، وذكرت أن الذنوب المكفرة في أحكام الدنيا - التي تجري على الظاهر - هي إما قول أو فعل ثبت بالدليل الشرعي كفر فاعله.

• فقال أهل السنة: من قال أو فعل ماهو كُفْر، كَفَر ظاهرًا وباطنًا بقوله أو بفعله هذا [1] .

• وقالت المرجئة من الفقهاء والأشاعرة: من قال أو فعل ماهو كُفْر، كَفَر ظاهرًا وباطنًا، لابنفس القول أو الفعل ولكن لأنهما علامة على أنه كافر مكذب بقلبه، وذلك لأن الإيمان عندهم تصديق القلب وليس العمل الظاهر منه، ولابد أن يكون عكسه وهو الكفر - عندهم - هو تكذيب القلب - بجحد أو استحلال - ولا يكفر أحدٌُ بالعمل الظاهر، قالوا: فإذا ثبت بالدليل كُفْر من أتى عملًا ظاهرًا، فيكون هذا العمل علامة على تكذيب القلب. وقد بيَّنت أن هذا اللازم ليس بلازم وأن الله تعالى أثبت - في كتابه - تصديقًا لمن قضى بكفرهم [2] .

• وقالت الجهمية من المرجئة: من قال أو فعل ماهو كُفْر، كَفَر ظاهرًا في أحكام الدنيا، ويجوز أن يكون مؤمنا في الباطن، فأكفرهم السلف بهذا، لأن من ثبت كُفْره بالدليل لابد أن يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا معذبًا في الآخرة لأن خبر الله لايكون إلا على الحقيقة، لاعلى الظاهر فقط، فمن أكفره في الظاهر دون الباطن فقد كذَّب بالنص ومن هنا أكفرهم السلف [3] . ولكن نقل ابن تيمية عن الجهمية أيضا أنهم التزموا بكفر من قال أو فعل الكفر ظاهرًا وباطنًا، وتعليلهم لذلك هو كتعليل مرجئة الفقهاء والأشاعرة أن الكفر الظاهر علامة على الكفر الباطن [4] ، وسيأتي نصه إن شاء الله وعلى هذا فالجهمية لهم قولان في التكفير بالذنوب المكفرة، أحدهما أن فاعلها يكفر ظاهرًا فقط، والآخر: يكفر ظاهرًا وباطنًا، وفي كلا القولين هم متفقون مع أهل السنة ومرجئة الفققهاء والمتكلمين على التكفير في أحكام الدنيا بمجرد فعل الذنوب المكفرة، وفي هذا خالف غلاة المرجئة.

• فقال غلاة المرجئة: من قال أو فعل ماهو كُفْر، لم يكفر بذلك إلا أن يصدر منه مايدل على أنه كافر بقلبه كالجحد والاستحلال، وهؤلاء أكفرهم السلف لأن قولهم تكذيب بالنصوص الدالة على كفر من أتى المكفرات دون القيود التي اشترطوها، وقد نقل تكفير السلف لهم ابنُ تيمية في [5] . وبقول غلاة المرجئة هذا يقول مؤلف (الرسالة الليمانية) فإن الله تعالى نص على كفر من يتولى الكفار (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) والموالاة لاتثبت على فاعلها في أحكام الدنيا - التي تجري على الظاهر - إلا بقول أو فعل ظاهر، فقال مؤلف (الرسالة الليمانية) لايكفر إلا بموالاة القلب، وهو شرط

(1) انظر (الصارم المسلول) لابن تيمية، 177 و 178 و 512

(2) انظر (مجموع الفتاوى لابن تيمية) 7/ 147 و 509 و 548 و 582، و (الصارم المسلول) لابن تيمية ص 518، و (الفصل) لابن حزم 3/ 239 و 259

(3) انظر (مجموع الفتاوى) 7/ 401 - 403 و 558، (الصارم المسلول) ص 517 و 523

(4) انظر (مجموع الفتاوى) 7/ 188 - 189

(5) (مجموع الفتاوى) 7/ 205 و 209

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت