فاسد مصادم للنص، كما بيَّنتُه من قبل، وهو قول غلاة المرجئة الذين يجعلون كفر القلب شرطًا مستقلًا للتكفير بالذنوب المكفرة الظاهرة في حين أن مرجئة الفقهاء والمتكلمين والجهمية جعلوا كفر القلب لازمًا للتكفير بالذنوب المكفرة الظاهرة وتأمل الفرق بين الشرط المستقل وبين اللازم الذي لاينفك.
وهذا القول الذي قاله مؤلف (الرسالة الليمانية) من اشتراط موالاة القلب كشرط مستقل للتكفير بالموالاة الظاهرة هو أفسد من قول الجهمية، فلو أن رجلًا كافرًا مفسدًا في الأرض محاربًا لله ورسوله يسوم المسلمين سوء العذاب تقتيلًا وتعذيبًا وتشريدًا، كالحكام المرتدين في زماننا هذا، وقد أتى هذا الكافر بقانون كافر حكَّمه في دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، ثم أتى بطائفة تنصره وتدفع عنه بالقول والفعل وتقاتل من يريد أن يقاتله، وتعمل بأمره في المسلمين سجنًا وإهانة وتعذيبا وتقتيلًا، فإن مؤلف (الرسالة الليمانية) يقول لايكفر أحدٌُ من هذه الطائفة بأفعال الموالاة الظاهرة هذه إلا أن يصرحوا بمحبتهم للكافر وكُفْرِه ورضاهم عنه، في حين أن الجهمية قالوا بل يكفر بهذه الأفعال وتكون علامة على انتفاء التصديق من قلبه. ومن هنا قلت: إن قول مؤلف (الرسالة الليمانية) أفسد من قول الجهمية والذي ذكره ابن تيمية رحمه الله في قوله] ومن هنا يظهر خطأ قول «جهم بن صفوان» ومن اتبعه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي الله وسوله ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصاحف ويكرم الكفار غاية الإكرام ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن، قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليُحكم بالظاهر كما يُحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ماأقرّ به وبخلاف ماشهد به الشهود. فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هُوَ هُوَ؟.
وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في «الإيمان» فقد ذهب إليه كثير من «أهل الكلام المرجئة» . وقد كَفَّر السلف - كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم - من يقول بهذا القول [[1] . ويظهر من كلام شيخ الإسلام أن الجهمية أكفروا في الظاهر من يفعل هذه الأفعال، ثم أكفروه ظاهرًا وباطنا لما رأوا أن قولهم الأول مصادم للنصوص. ثم جاء مؤلف (الرسالة الليمانية) ليقول إن من يعادي الله ورسوله ودينه وأهله ويكرم الكفار ويهين المؤمنين لايكفر بذلك في الظاهر في حين أكفر الجهمية مثل هذا في الظاهر. فويل لمن كان مذهبه في الإيمان أفسد من مذهب الجهمية الذي وصفه شيخ الإسلام بأنه أفسد قول قيل في الإيمان.
وبعد بيان فساد اشتراط الموالاة القلبية للتكفير بالموالاة الظاهرة، وأن هذا هو قول غلاة المرجئة، نتابع نقدنا لبقية كتاب (الرسالة الليمانية) .
(1) (مجموع الفتاوى) 7/ 188 - 189