أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص ٍ [، فهذا كلام فيه إجمال لا ينبغي سوقه ولا إبهامه هكذا، فلو أن كافرًا أو مسلمًا قال لمسلم ألقِ هذا المصحف في القذر أو اسجد لهذا الصنم فأطاعه في فعل هذه الأفعال لكَفَر الآمر والمأمور بإجماع المسلمين بما فيهم ابن العربي نفسه، ولو أمره أحد بترك الصلاة فلم يُصَل لكفر بإجماع الصحابة. وهذه طاعة في أفعال وتروك مجردة غير مصحوبة بطاعة ٍ في اعتقاد مكفِّر، وقد كَفَر فاعلها بالإجماع. ولكن الذي لم يعرفه مؤلف الرسالة الليمانية والذي يدل على أنه حاطب ليل يجمع الأقوال ولا يدري ما فيها: أن الأشاعرة - وابن العربي منهم - يُكفِّرون بهذه الأفعال غير المصحوبة باعتقاد مكفِّر ولكنهم يقولون إن هذه الأفعال علامة على انتفاء التصديق بالقلب، يبين هذا ما قاله ابن عابدين الحنفي - وهو من مرجئة الفقهاء وقولهم في هذا كقول الأشاعرة -] وكما لو سَجَد لصنم أو وضع مصحفًا في قاذورة فإنه يكفر، وإن كان مُصدقًا، لأن ذلك في حكم التكذيب [[1] . وقال ابن تيمية رحمه الله]وقال أبو عبدالله الصالحي: إن الإيمان مجرد تصديق القلب ومعرفته، لكن له لوازم فإذا ذهبتَ دَلَّ ذلك على عدم تصديق القلب. وأن كل قول أو عمل ظاهر دَلَّ الشرع على أنه كُفْرٌُ كان ذلك لأنه دليل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة، وهذا أشهر قولي أبي الحسن الأشعري وعليه أصحابه كالقاضي أبي بكر وأبى المعالي وأمثالهما، ولهذا عَدَّهم أهل المقالات من المرجئة [[2] . وأبو المعالي الجويني شيخ أبي حامد الغزالي، والغزالي شيخ ابن العربي الذي نقل المؤلف قوله، فهذا مذهب الأشاعرة. وبهذا تعلم أن إطلاق القول بأنه يكفر إن أطاعه في الاعتقاد ولايكفر إن أطاعه في الأفعال الظاهرة خطأ، وواضح أن مؤلف (الرسالة الليمانية) لا علم له بمذاهب الفرق في الإيمان والكفر، وماكان له أن يُقدم على كتابة رسالته هذه قبل دراسة المذاهب في الإيمان والكفر ومعرفة الصواب من الخطأ في هذا لأنه أساس موضوع رسالته. وأنا أحذِّر كل من يؤلف للناس خاصة إذا كان المقصود بالتأليف وضع مناهج للجماعات مثلما كتب مؤلف الرسالة الليمانية على غلافها (المعالم الشرعية والفكرية للجماعة الإسلامية بمصر) ، أحذّر من التأليف فيما لم يتأهل له المؤلف حذرًا من الوعيد الوارد في قوله عليه الصلاة والسلام (اتخذ الناس رءوسًا جهالًا فسُئِلوا فأفتوا بغير علم فَضَلّوا وأَضَلّوا) [3] ، وقوله عليه الصلاة والسلام (من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لاينقص ذلك من آثامهم شيئًا) [4] . وأوصي كل من يريد أن يُعَلِّم غيره بأن يتعلم قبل أن يُعَلِّم.
6 -قال مؤلف (الرسالة الليمانية) في ص 14 - 15 - عقب مانقله عن ابن العربي -] ويتم وضوح الأمر وجلاؤه بقول أبي السعود - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى (إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ... ) آل عمران: 28 قال: « .... كأنه قيل لاتتخذوهم أولياء ظاهرًا أو باطنًا في حال من الأحوال إلا حال اتقائهم ... فإنه يجوز إظهار الموالاة حينئذ مع اطمئنان النفس بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع ... [، ثم قال المؤلف] ففي هذا النص بيَّن أبو السعود رحمه الله الفرق بين
(1) (حاشية ابن عابدين) ط دار الكتب العلمية، كتاب المرتد، ج 3 ص 284
(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 509
(3) الحديث متفق عليه
(4) الحديث رواه مسلم