الموالاة الظاهرة والباطنة، إذ لو لم يكن بينهما فرق لما قال: ظاهرًا أو باطنًا، ثم بيّن إباحة المولى سبحانه للنوع الأول - وهو الموالاة الظاهرة - حال التقية، إذ حاشا لله أن يبيح الموالاة الباطنة، وهي كُفْر - كما بيَّنا - حتى حال التقية[.
ظن المؤلف أن التقيَّة موالاة ظاهرة وأنها جائزة حال الخوف من الكفار، وجوازها دليل على أنها ليست كفرًا. وذكرها ضمن الأدلة الشرعية التي استدل بها على أن الموالاة الظاهرة مع سلامة العقد غير مكفرة، فقال في ص24]الدليل الثاني: وهو قوله تعالى (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ) آل عمران: 28. ثم قال المؤلف: وهذا دليل على ماذكرناه من أن المسلم إذا وقع منه موالاة ظاهرية تحت تأثير خوف أو إكراه أو لمصلحة من المصالح المعتبرة فإنه لايكفر بذلك مادام القلب سليما إذ تنتفي بذلك الموالاة القلبية التي توجب كفر صاحبها [.
وأقول: إن الموالاة الظاهرة للكفار كفر أكبر كما يدل عليه قوله تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، وحُكم النبي عليه الصلاة والسلام في العباس. والكفر لايجوز إظهاره إلا مع الإكراه المعتبر لا لمجرد الخوف أو لمصلحة كما قال المؤلف. فلم يرخص الله في إظهار الكفر إلا مع الإكراه كما قال (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) النحل: 106، وسنذكر إن شاء الله الدليل على أن مجرد الخوف من الكفار دون وقوع إكراه معتبر منهم لايجيز للمسلم موافقتهم في الظاهر، فإن وافقهم دون إكراه فقد كَفَر. ولكنا نبدأ ببيان خطأ ماذهب إليه المؤلف من أن التقية موالاة ظاهرة جائزة مع الخوف، وهو يريد أن يتوصل بذلك إلى أن أنصار الحكام المرتدين وجنودهم معذورن في موالاتهم الظاهرة للحكام بسبب خوفهم منهم لكونهم في سلطانهم، وهذا قول فاسد.
والذي أوقع المؤلف فيما وقع فيه ظنه أن التقية موالاة، وإذا جازت التقية مع الخوف جازت الموالاة. والصحيح أن التقية غير الموالاة في اللغة وفي الشرع.
أما في اللغة: فقد ذكرنا من قبل أن الموالاة أصلها: القُرْب والدُّنُو. أما التقيّة فأصلها في اللغة: الحَذَر، والحذر شيء والقُرب شيء آخر. والفعل: اتَّقى، والمصدر: تَقِيَّة وتُقَاة، وكلا المصدرين ورد في القراءات الصحيحة، فقريء (إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) وقرِيء (إلا أن تتقوا منهم تقيّة) . وأتَّقِيه تقيَّة بمعنى حذِرْتُه [1] .
وأما في الشرع: فإن التقيّة بمعنى الحذر من الكفار - عند الخوف منهم بسبب ظهورهم وغلبتهم - تكون بإخفاء المعاداة لهم أو بمداراتهم بإظهار القول الليِّن والمعاشرة الحسنة لهم. فهذا مايجوز إظهاره مع الخوف، أما إن أظهر فوق ذلك بالذب عن الكفار أو نصرتهم والقتال دونهم فهذه موالاة ظاهرة مكفِّرة لايجوز شيء منها إلا مع الإكراه الملجيء مع الأخذ في الاعتبار الإجماع على أن الإكراه لايجيز قتل المسلم بغير حق. وقد تساهل بعض المفسرين فسمّوا المداراة - التي تجيزها التقية - موالاة ظاهرة، وهذا خطأ، ولكن مؤلف (الرسالة الليمانية) اختار أقوال هؤلاء المفسرين دون غيرها لأنها تؤيد وجهة نظره، ونحن نذكرها ونذكر أقوال غيرهم من أئمة التفسير ثم نرجح بينهم بإذن الله.
(1) انظر (لسان العرب) لابن منظور، 15/ 402 - 404، ط دار صادر