فهرس الكتاب

الصفحة 809 من 1285

وقلبه مطمئن بالإيمان. والتقية لاتحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الايذاء العظيم [[1] .

• وقال ابن كثير رحمه الله]وقوله تعالى (إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا باطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال «إنا لنُكْشِرُ في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم» . وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس، ويؤيد ماقالوه قول الله تعالى «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكرِه وقلبه مطمئن بالإيمان» . وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة [[2] .

• وقال البغوي رحمه الله]نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار فيخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا أو مالًا حرامًا، أو يُظهر الكفار على عورة المسلمين. والتقية لاتكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال تعالى (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) . ثم هذه رخصة فلو صَبَر حتى قُتِل فله أجر عظيم [[3] .

فهذه أقوال الفريقين من العلماء: من قال إن التقية هي الموالاة الظاهرة، ومن قال إنما هي مجرد إخفاء العداوة أو إظهار المداراة بملاينة الكفار، فأيهما صواب؟. والصواب هو قول الفريق الثاني والدليل على ذلك قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) المائدة: 51 - 52. فهؤلاء المذكورن في الآية حَكَمَ الله بكفرهم بموالاتهم الكفار (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) رغم خوفهم (نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) ، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أن مجرد الخوف من أذى الكفار إذا ظهروا على المؤمنين ليس بعذر في المسارعة إلى موالاتهم، ولو كان الخوف يُرخص في الموالاة لما أكفرهم الله. فإذا كان الخوف يرخص في التقية ولايرخص في الموالاة، عُلِمَ بذلك أن التقية غير الموالاة، كما قال ابن القيم - في كلامه المنقول آنفا -]وليست التقية بموالاة [.

والخلاصة:

• أن الخوف (وهو الأذى المتوقَّع من الكفار) يرخِّص في التقية بإخفاء معاداتهم أو بمداراتهم.

• أما الإكراه (وهو الأذى الواقع فعلا من الكفار) فيرخِّص في الموالاة الظاهرة التي هي نوع من الكفر الأكبر مع اطمئنان القلب بالإيمان. فمن أظهر الموالاة للكفار دون إكراه ملجيء حكمنا بكفره.

وقد خلط بعض المفسرون بين الخوف والإكراه فيما نقلته عنهم آنفا، واستدلوا للتقية بآية الإكراه (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) . ومن هنا تساهل بعضهم في اعتبار التقية موالاة ظاهرة باعتبار أنها مما يرخص فيه الإكراه. والتحقيق الذي يدل عليه ظاهر الآيات هو ماذكرته لك في الخلاصة السابقة من أن التقية غير الموالاة ومن أن الخوف غير

(1) (تفسير القرطبي) 4/ 57

(2) (تفسير ابن كثير) 1/ 357. ومعنى (نُكْشِر) - في قول أبي الدرداء - أي نَضحك

(3) (تفسير البغوي) 1/ 336

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت