الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) الممتحنة: 1) [1] .
قال مؤلف (الرسالة الليمانية) في ص 18] في هذا الحديث دلالة على أن حاطبًا - رضي الله عنه - قد أتى بفعل من أفعال الموالاة للمشركين وذلك بنص الآية «ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا عدوي وعدوّكم أولياء» وفيه نزلت، كما يدل الحديث على أنه لم يكفر بموالاته هذه، وذلك بنص قول النبي عليه الصلاة والسلام لعمر «صَدَق» ، يعني صدق في قوله «ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام» ، ينتج من ذلك الدليل البيِّن على أن موالاة حاطب كانت موالاة ظاهرية فَعَلها لغرض دنيوي وقلبه مطمئن بالإيمان، ولو كانت موالاة بالباطن لكَفَر، وذلك يستحيل بقول النبي عليه الصلاة والسلام «صدق» ولمخاطبة الله له بقوله سبحانه «ياأيها الذين آمنوا لاتتخذوا» الآىة فلم يُسْلَب اسم الإيمان [. وقال أيضا في ص 21] وذلك لأن حاطبًا لما أتى فعلًا من أفعال الموالاة، وكان عقده سليما لم يُحكم بكفره، والسبب في ذلك سلامة باطنه وهذا مايُقصد به: الموالاة الظاهرية دون الباطنية، إذ لو اجتمع رضا القلب بما فَعَله مع فِعْله لكانت موالاته موالاة باطنية وهي التي يجتمع فيها الظاهر مع الباطن، والتي يكفر صاحبها بعد اعتبار حاله[. أما قوله إن حاطبًا فعل ماهو موالاة ظاهرة للمشركين وأنه لم يكفر بذلك فصحيح.
وأما تعليله لعدم كفره: بأنه فعل الموالاة الظاهرة لغرض دنيوي مع انتفاء الموالاة القلبية فخطأ، وأن الموالاة الظاهرة مجردة من الموالاة الباطنة غير مكفرة فخطأ وسنفصّل هذا إن شاء الله.
وكذلك قوله إن المخاطبة بياأيها الذين آمنوا - في أول سورة الممتحنة - تدل على عدم كفره، فهذا خطأ، ونَسَبَهُ المؤلف أيضا في ص 19 للشيخ سليمان بن سحمان و قد أخطأ أيضا، فإن المخاطبة باسم الإيمان لا تدل على عدم كفر المخاطبين، بل يجوز أن يوصف الشخص بسابق حاله ولو انتقل عنه و مثاله:
• قوله عليه الصلاة والسلام (لايحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ) ومنها (التارك لدينه) [2] . والتارك لدينه هو المرتد ووصفه في أول الحديث بالإسلام باعتبار سابق حاله، وفي هذا قال ابن حجر]وفي الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه ولو انتقل عنه لاستثنائه المرتد من المسلمين، وهو باعتبار ماكان [[3] .
• ومثاله أيضا قوله عليه الصلاة والسلام (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين) وذكر منهم (ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي) [4] . فوصفه بأنه من أهل الكتاب مع أنه أسلم بدلالة قوله (وآمن بي) عليه الصلاة والسلام فقوله (ورجل من أهل الكتاب) من باب تسميته بسابق حاله. ومصداق هذا الحديث من كتاب الله قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ) آل عمران: 199، ومثلها آية المائدة (الَّذِينَ قَالُوَا إِنَّا نَصَارَى) - إلى قوله تعالى - (يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) المائدة:82 - 83.
(1) الحديث (4890) . وفي رواية لمسلم (ولم أفعله كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام)
(2) الحديث متفق عليه
(3) (فتح الباري) 12/ 204
(4) الحديث متفق عليه