• ومثاله قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ) المائدة: 54، فهل الخطاب بالإيمان يمنع من ارتداد بعضهم؟ وكذلك قوله تعالى في صدر سورة الممتحنة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) - إلى قوله تعالى - (وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) الممتحنة: 1 فلا يمنع الخطاب بالإيمان من كفر بعض المخاطبين، ويكون وصفهم بالذين آمنوا من باب وصف الشخص بسابق حاله كما أثبتناه. هذا مع الاتفاق على أن حاطبًا لم يكفر، ولكني أردت التنبيه على خطأ الاستدلال على عدم كفره بالمخاطبة باسم الإيمان فلا دلالة فيه على ذلك خاصة وأنه خطاب عام فـ (الَّذِينَ آمَنُوا) من صيغ العموم اللفظي لأنه اسم موصول. وذلك بخلاف مالو كان الخطاب خاصًا به كما في قوله تعالى (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) التوبة: 118، وقوله تعالى (إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا)
آل عمران:122.
أما استدلال المؤلف بعدم كُفْر حاطب رضي الله عنه على أن الموالاة الظاهرة غير مكفرة مالم تقارنها موالاة قلبية، فاستدلال فاسد، وهذا بيانه:
أ - لا خلاف في أن مافعله حاطب موالاة ظاهرة للمشركين، بنص قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ) الممتحنة: 1، وفيه نزلت.
ب - ولا خلاف في أن الموالاة الظاهرة للمشركين كفر أكبر بدون أن تقارنها موالاة قلبية، وقد أقمنا الدليل على ذلك من قبل بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) المائدة: 51 وأن ما قام بقلوبهم هو الخوف لا الرضا عن الكفار ودينهم، وأما السنة فحكم النبي عليه الصلاة والسلام على عمه العباس بحكم الكفار بسبب مظاهرته المشركين على المسلمين، وأما الإجماع فإجماع الصحابة على تكفير أنصار أئمة الردة. وأسهبت في بيان هذا في القسم الثاني (بيان حكم أنصار الطواغيت) وفي نقدي السابق لقول المؤلف أنه لايكفر أحد بالموالاة الظاهرة وأن هذا هو قول غلاة المرجئة. وهذا يكفي في بيان أن مافعله حاطب كفر، وهو نفسه كان يعلم أن فعله هذا كفر ولكنه نفاه عن نفسه فقال [وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام] [1] ، ووصفه عمر بن الخطاب أيضا بذلك كما ذكره ابن حجر قال] وفي حديث ابن عباس «قال عمر فاخترطت سيفي وقلت: يارسول الله أَمْكِنّي منه فإنه قد كفر» قال ابن حجر: إسناده صحيح [[2] . وهذا كله في بيان أن مافعله حاطب كُفر.
هذا وليس في قول النبي عليه الصلاة والسلام (إنه قد صدق) دليل على أن مافعله حاطب ليس كُفْرًا، فإن فعلَه كُفْرٌُ بالكتاب والسنة وبالإجماع على كُفْر من ظاهر الكفار على المسلمين، فَوَجَب بذلك أن ينصرف تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أمر ٍ آخر وهو مطابقة قول حاطب لاعتقاده، لامطابقة قوله للواقع والحقيقة فإن الكتاب والسنة
(1) من رواية مسلم
(2) (فتح الباري) 12/ 309، وحديث ابن عباس هذا أخرجه الطبري