فهرس الكتاب

الصفحة 813 من 1285

والإجماع بخلاف ذلك. وهذا الكلام بحاجة إلى بيان، وبيانه أن الصدق في الخبر هل يُطلق على مطابقة قول المُخبِر لاعتقاده صوابًا كان أو خطأ أم يُطلق على مطابقة قول المُخبِر للواقع المُخبَر عنه؟. والمسألة فيها قولان ويبينها المثال التالي: فلو أن أعمى نظر إلى المصباح المضيء فقال أرى ظُلمة. فعلى القول الأول - وهو مطابقة قوله لاعتقاده - هو صادق وإن أخطأ، وعلى القول الثاني - وهو مطابقة قوله للواقع - هو كاذب. وكل من القولين يقول به بعض العلماء [1] ، والحق أن كِلا القولين صواب - وإن كان الثاني هو المشهور - وقد يجتمعان أو ينفردان، فالصدق قد يطلق على مطابقة قول المُخبر لاعتقاده، وقد يُطلق على مطابقة قوله للواقع، وقد يطلق على مطابقة قوله لاعتقاده وللواقع معًا وهذا هو الصدق التام، والذي يعين المراد منها السياق والقرائن وأمثلة ذلك من التنزيل:

• قوله تعالى (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) المنافقون: 1، فأكذبهم الله من جهة مخالفة قولهم لاعتقادهم فقط - لأنهم لايعتقدون أنه رسول الله - وإن كان قولهم مطابقا للواقع وأنه رسول الله حقًا، فيظهر من ذلك أن الصدق والكذب في هذا المثال متعلق بمطابقة قول المخبِر لاعتقاده لا مطابقته للواقع والحقيقة.

• وقوله تعالى - عن قول سليمان عليه السلام للهدهد - (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) النمل:27، فالمراد بالصدق هنا مطابقة قولِه للواقع المُخبَر عنه، كما يدل عليه سياق الآيات.

• وقوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) الأعراف: 158، فهذا خبر صادق من الرسول عليه الصلاة والسلام، وصِدْقُه من الوجهين: من جهة مطابقة القول لاعتقاده ومن جهة مطابقته للواقع، فهو عليه الصلاة والسلام يعتقد أنه رسول الله - هذا من جهة اعتقاده -، وهو رسول الله حقًا - وهذا من جهة الواقع -.

فهذه الأمثلة تبين الفرق بين تصديق المخبِر من جهة مطابقة قوله لاعتقاده ومن جهة مطابقة قوله للواقع، وأنه لاتلازم بين الجهتين فقد يجتمعان وقد ينفردان.

وبتطبيق هذا على تصديق النبي عليه الصلاة والسلام لحاطب رضي الله عنه، نجد أن حاطبا أخبر بأمرين: بأنه فعل ما فعل ليحمي قرابته بمكة وأنه لم يفعله كفرًا، وقال النبي عليه الصلاة والسلام إنه قد صدقه في قوله، فهل صدقه من جهة مطابقة قوله لاعتقاده أم من جهة مطابقته للواقع أم من الجهتين معا؟ والذي يعين المراد هنا النظر في القرائن والأدلة الأخرى.

فقوله إنه لم يفعل مافعل من موالاة الكفار كفرًا ولا ارتدادًا عن الدين أي لم يفعله بقصد الكفر، صِدْقهُ هنا هو من جهة مطابقة قوله لمعتقده وأنه لم يقصد الكفر، وليس من جهة مطابقته للواقع من أن موالاة الكفار ليست كفرًا، والدليل على انصراف صِدْقُه للجهة الأولى دون الثانية دلالة الكتاب والسنة والإجماع على أن موالاة الكفار بمظاهرتهم على المسلمين - كما فعل حاطب - كفر، فثبت أن قوله بخلاف الواقع والحقيقة وإن وافق معتقده.

(1) والمسألة من مسائل علم المعاني وأشار إليها الخطيب القزويني في كتابه (الإيضاح في علوم البلاغة) ص 18، ط دار الكتب العلمية 1405ه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت