فهرس الكتاب

الصفحة 814 من 1285

وأما اعتذاره عن فعله بخوفه على قرابته، فهو صادق في اعتذاره وأن هذا هو الذي حمله على ما فعل، فصِدْقه هنا من جهة مطابقة قوله لاعتقاده، لا من جهة مطابقته للواقع والحقيقة، وذلك لقيام الدليل على أن مجرد الخوف - دون وقوع إكراه ملجيء - لايرخّص في الكفر الذي هو هنا موالاة الكفار.

فثبت بالنظر في القرائن والأدلة الأخرى أن تصديق النبي عليه الصلاة والسلام لحاطب هو من جهة موافقة قوله لمعتقده لامطابقته للواقع، وعلى هذا فتصديق النبي عليه الصلاة والسلام له ليس تصويبًا لمقالته ولايدل على أن مافعله ليس كفرًا كما لا يدل على أن عذره صحيح معتبر شرعًا.

وهذا كله في بيان أن مافعله حاطب رضي الله عنه كُفْر، وذكره شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في نواقض الإسلام وهو مظاهرة المشركين على المسلمين. والمظاهرة تكون بالقتال معهم كما فعله العباس رضي الله عنه أو بالدلالة على عورات المسلمين كما فعله حاطب رضي الله عنه، وبهذا وصفه عمر كما قال ابن حجر] وزاد الحارث «فقال عمر بلى ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك» [[1] . ونقلت قبل ذلك قول الشيخ حمد بن عتيق النجدي]إن مظاهرة المشركين ودلالتهم على عورات المسلمين أو الذب عنهم بلسان ٍ أو رضى بما هم عليه، كل هذه مُكَفِّرات ممن صدرت منه من غير الإكراه المذكور فهو مرتد، وإن كان مع ذلك يُبْغض الكفار ويحب المسلمين [[2] .

هذا وقد جاء في مجلة (المرابطون) التابعة لنفس الجماعةالصادر عنها كتاب (الرسالة الليمانية) قولهم]ولا التفات لما يردده بعض الجهال من أن حاطبًا أتى كُفرًا ولكن غُفِرَ له لأنه من أهل بدر، فإن الله لايغفر أن يُشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء، وقد عَصَم الله أهل بدر فلم يقعوا في الشرك، هذا فضلًا عن أن النص واضح في تصديق الرسول له لما قال إنه لم يفعل ذلك كفرًا ولا ارتدادًا [[3] ، ولمؤلف الرسالة الليمانية كلام قريب من هذا في ص21 - 22. وأقول: ذلك مبلغهم من العلم، وأعلّق على مقالتهم بما يلي:

• أما إن حاطبًا أتى كفرًا، فهذا هو الصواب بالكتاب والسنة والإجماع فيمن ظاهر الكفار على المسملين.

• وأما تصديق النبي عليه الصلاة والسلام له، فقد سبق القول في أنه تصديق لقوله ليس تصويبًا لمقالته. أي أنه صدق في مطابقة قوله لمعتقده لا في مطابقته للواقع والحقيقة.

• وأما أنه غُفِرَ له لأنه من أهل بدر، فهو لم يكفر حتى يُغفر له الشرك، وهذا الفرق بين التكفير المطلق وتكفير المعيَّن، فهو أتى كُفرًا لكنه لم يكفر لقيام مانع من التكفير في حقه، وليس المانع هنا شهوده بدرًا، ولكنه شيء آخر يأتي بيانه إن شاء الله.

• وأما استدلالهم بقوله تعالى (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ) النساء: 48 فهذا في حق الميت لا الحي، أي لايغفر لمن مات مشركًا، وهذا محل إجماع، أما الحي فيُغفر له كل شيء بالتوبة، الشرك ومادونه - بدريًا كان أو غير بدري، ولكن

(1) (فتح الباري) 12/ 309، ورواية الحارث هذه أخرجها الطبري وابن أبي حاتم

(2) (الدفاع عن أهل السنة والاتّباع) له، ص 32، ط دار القرآن الكريم 1400ه

(3) مجلة (المرابطون) عدد 6، ربيع أول 1411ه، ص 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت