الله عصم البدريين من الشرك - كما قال تعالى (قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) الأنفال: 38، والآيات في غفران الكفر بالتوبة كثيرة كما في آخر الفرقان وكما في آية الزمر.
وبعد بيان أن مافعله حاطب من الموالاة الظاهرة كفرٌُ، وهو التكفير المطلق المنزّل على السبب المجرد، نذكر المانع الذي منع من تكفيره كمعيّن.
ج - أما هذا المانع فهو العذر الذي اعتذر به وهو خوفه من الكفار على أهله وماله بمكة، وظن حاطب أن هذا العذر يرخّص له فيما أقدم عليه، وعذره هذا غير معتبر شرعًا، فقد سبق بيان أن مجرد الخوف من الكفار - دون وقوع إكراه - لايرخص في الموالاة المكفرة التي فعل، ولهذا عاتبه الله تعالى في نفس السورة بقوله (لن تنفعكم أرحامُكم ولا أولادكم، يوم القيامة يفصل بينكم) الممتحنة 3. قال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد عبدالوهاب] ثم ذكر تعالى شبهة من اعتذر بالأرحام والأولاد فقال (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الممتحنة: 3 فلم يعذر تعالى من اعتذر بالأرحام والأولاد والخوف عليها ومشقة مفارقتها، بل أخبر أنها لاتنفع يوم القيامة، ولاتغني من عذاب الله شيئا، كما قال في الآية الأخرى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ) المؤمنون: 101 [[1] . وقد تأوّل حاطب رضي الله عنه أن خوفه من الكفار على أهله وماله يرخّص له فيما فعل، ولكنه كان مخطئا في تأوّله فقد عاتبه الله في ذلك كما تدل عليه الآية السابقة بما يدل على أنه كان مخطئًا. وهذا الخطأ في التأوّل هو المانع من تكفيره، كما كان الخطأ في التأول مانعا من تكفير قدامة بن مظعون رضي الله عنه وهو من أهل بدر أيضا لما شرب الخمر ظانًا إباحتها متأولا في ذلك قوله تعالى (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) المائدة: 93، حتى قال له عمر رضي الله عنه: أخطأت استك الحفرة، وقال له: لو اتقيت الله ماطعمتها. وقد ذكرت قصته ومواضعها في كتب العلم في التنبيه الهام المذكور بتعليقي على العقيدة الطحاوية (فيما يشترط للتكفير به من الذنوب أن يكون فاعلها جاحدًا أو مستحلًا ومالا يشترط فيه ذلك) . فكما منع الخطأ في التأويل من تكفير قدامة منع أيضا تكفير حاطب وكلاهما بدري، وقد قال تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُم بِهِ) الأحزاب: 5.
وفي بيان عذر حاطب قال ابن حجر] وعذر حاطب ما ذكره، فإنه صَنَع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه [[2] . وفي بيان عذر حاطب أيضا قال ابن كثير]وقال تعالى (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ) آل عمران: 28 ولهذا قَبِل رسول الله عليه الصلاة والسلام عذر حاطب لما ذَكَر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش لأجل ماكان له عندهم من الأموال
(1) في رسالته (حكم موالاة أهل الإشراك) من (مجموعة التوحيد) ص 353، ط دار الفكر 1399 هـ
(2) (فتح الباري) 8/ 634، يشير ابن حجر إلى ماورد في بعض ألفاظ الحديث وفيه قال حاطب (وعلمت أن ذلك لا يضرك) أشار إليها ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) 35/ 67