فهرس الكتاب
والأولاد [[1] ، أراد ابن كثير أن يقول إن حاطبًا ظن أن مافعله يدخل في باب التقية الجائزة عند الخوف. وقد أخطأ فإن ما فعله موالاة مكفرة لايرخص فيها الخوف كما قال تعالى (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) - إلى قوله - (يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) المائدة:51- 52، فأكفرهم الله بموالاة الكفار رغم اعتذارهم بالخوف، ولم يكذّبهم الله في عذرهم هذا، فعُلِمَ بذلك أن الخوف لايرخص في موالاة الكفار، وعُلِمَ بذلك أن حاطبًا أخطأ في ظنه أن الخوف على أهله وماله يرخّص له فيما أقدم عليه من موالاة الكفار.
وفي بيان أن من أخطأ في التأوّل لايُحكم بكفرِه - إذا كان قد أقدم بتأوّله على فعل المكفّرات - حتى يبيّن له، فإن أصرّ بعد البيان حُكم بكفره، قال ابن تيمية رحمه الله] فإذا كان المتأول المخطيء في تلك لايُحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر - ففي غير ذلك أولى وأحرى [[2] ، وقال ابن تيمية أيضا]أما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك. وأما من لم تقم عليه الحجة مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك. فإنهم يستتابون وتقام الحجة عليهم، فإن أصروا كفروا حينئذ ولايُحكم بكفرهم قبل ذلك كما لم يَحكم الصحابة بكفر قدامة بن مظعون وأصحابه لما غلطوا فيما غلطوا فيه من التأويل [[3] .
فإن قيل: إذا كان المتأوِّل المخطيء يجب أن يُستتاب ويُبيَّن له، فلم يثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام استتاب حاطبا؟، فالجواب: أنه قد سبق في شرح قاعدة التكفير بيان أن الاستتابة وإن كان معناها في الأصل طلب التوبة ممن حُكم بردته وكُفره، إلا أنها صارت تطلق في عرف العلماء على ما قبل الحكم بالردة من تبين الشروط وانتفاء الموانع في المعين الذي فعل فعلا مكفرًا، وقد ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام تبين حال حاطب وقال له (ماهذا ياحاطب) فأبدى عذره الذي اعتُبر مانعا من تكفيره، أما تعريف حاطب بفُحش مافعله وبخطئه فيما اعتذر به فهذا قد تكفل الله تعالى به فيما أنزله في حاطب من أول سورة الممتحنة، ويكفي ببيان الله بيانًا، وقد قال تعالى في هذه (وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ) الممتحنة: 1 هذا في بيان فُحش مافعله، وقال تعالى (لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) الممتحنة: 3 وهذا في بيان خطئِه فيما اعتذر به، أَنَّ خوفه على أهله وولده لايرخص له فيما أقدم عليه، فهم لن ينفعوه شيئا إذا سخط الله عليه بفعله.
د - فإذا كان من فعل مكفرًا متأولًا لم يحكم بكفره لعذره بالتأول، فهل تجب عليه عقوبة بعد ذلك؟. والجواب: إن عقوبته تعتمد على نوع معصيته وهل هي من المعاصي الحدّية (أي التي فيها حد من الحدود، وهي العقوبة المقدّرة شرعًا
(1) (تفسير ابن كثير) 4/ 347
(2) (مجموع الفتاوى) 7/ 619
(3) (مجموع الفتاوى) 7/ 609 - 610