فهرس الكتاب

الصفحة 817 من 1285

حقًا لله تعالى) فيجب إقامة الحد، أم أنها من المعاصي غير الحدية؟ والمعاصي غير الحدية يُعاقب عليها بالتعزير وهذا يتدرج من التوبيخ إلى القتل بقدر مايندفع به الشر والفساد كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة (السياسة الشرعية) ، وهذا يرجع إلى اجتهاد الإمام أو الحاكم (أي القاضي) . ويتبيّن الفرق بين النوعين بضرب مثال لكل منهما: -

فقدامة بن مظعون وحاطب بن أبي بلتعة كلاهما فعل ماهو كُفْر متأولا فلم يكفر، فقدامة استحل شرب الخمر متأولا آية المائدة (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) المائدة: 93، وحاطب وَالَى الكفار وظاهرهم على المسلمين متأولا أن له عذرًا في ذلك وأنه لن يضر المسلمين. ومع أنهما لم يَكْفُرا بذلك إلا أن قدامة أقيم عليه حَدّ شرب الخمر، وحاطب عُفِيَ عنه، مع أن كلاهما شهد بدرًا، فما الفرق؟.

والفرق: هو أن معصية قدامة حدّية - وهي شرب الخمر - فلم يسقط عنه الحد بشهوده بدرًا، والذي أقام عليه الحد عمرُ في خلافته، كما أقام النبي عليه الصلاة والسلام حَدّ القذف على مسطح بن أثاثة - وهو بدري - لما شارك في حادثة الإفك، في حين أن معصية حاطب تعزيرية تقبل العفو والإسقاط من الإمام فأسقطها النبي عليه الصلاة والسلام بسبب سابقته وشهوده بدرًا، وهذا من باب ماوري عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) [1] . وفي بيان الفرق بين النوعين من المعاصي الحدية وغير الحدية قال ابن حجر رحمه الله] وقد استشكلت إقامة الحد على مسطح بقذف عائشة رضي الله عنها كما تقدم مع أنه من أهل بدر، فلم يُسامَح بما ارتكبه من الكبيرة وسومح حاطب وعُلل بكونه من أهل بدر؟، والجواب: ماتقدم في باب «فضل من شهد بدر» أن محل العفو عن البدري في الأمور التي لاحَدّ فيها [[2] ، وفي الباب المشار إليه قال ابن حجر]واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة، لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها [[3] .والبشارة المقصودة هي مغفرة الذنوب للبدريين وألخّص ما قلته في حديث حاطب رضي الله عنه فيما يلي.

• أن حاطبا رضي الله عنه وَالَى الكفار وظاهرهم على المسلمين، وفيه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) الممتحنة: 1.

• أن موالاة الكفار كفر دون اشتراط أن تقارنها موالاة قلبية كما زعم مؤلف (الرسالة الليمانية) ، (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) - إلى قوله - (يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) المائدة: 51 - 52.

• يتحصل من هذا أن حاطبا أتى كفرًا ليس معصية كما زعم المؤلف وغيره.

• ولكن حاطبا لم يكفر لقيام مانع من التكفير في حقه وهو التأوّل - وإن أخطأ فيه - وليس المانع هو شهوده بدرًا

(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي عن عائشة، وذوو الهيئات هم الذين لا يُعرفون بالشر، كما ذكره ابن الأثير في (النهاية) 5/ 285

(2) (فتح الباري) 12/ 310

(3) (فتح الباري) 7/ 306.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت